فتنة القارئ النموذجي
تاريخ النشر: 08 سبتمبر 2016 02:32 KSA
قبل سنوات، قلت جملة ما تزال في رأسي في ندوة بجامعة لوس أنجلس بكاليفورنيا، يو سي لي UCLA، في محاضرة عن القارئ النموذجي، من هو؟ ما هي مواصفاته؟ كيف يشتغل؟ كيف يتعامل مع النص؟ هل هو الأكاديمي؟ الانطباعي؟ أو الذي يوحي لك ككاتب أو كقارئ، أنه الشخص الذي استولى على نص سبق هذا الأخير أن استولى عليه؟ هل هو موجود في صلب الحكاية الرابطة بين الكاتب والقارئ كما يوصف الحالة أمبيرتو في إيكو lector in Fabula (القارئ في الحكاية)، أم أن العملية كلها لا تغدو أن تكون مجرد يوتوبيا يصنعها الكاتب؟ الجملة التي بقيت في ذهني، خارج تحليلات أيزر، وياوس أو أمبيرتو إيكو في أحاديثهم عن القارئ النموذجي؟ هو ببساطة هو الذي يصاب بكتاب. يرى الكتاب، يقرأ عنه، يتحمس له، ثم ينصب الشباك ليتصيده. وهو في كل هذا في حالة تشوق قصوى، العدو الأساسي في رحلته الممتعة والصعبة هو أن يصاب بخيبة أمل من عالم رفعه عاليًا بالحب والانتظار ومخاتلة الزمن. تنشأ في داخله ميكانيزمات هي أقرب إلى الحالة العشقية الإنسانية عندما يصاب العاشق بامرأة، من انتظارات وتشوقات وأحلام وتوقع بداية هذا الحب والخوف من نهاياته الافتراضية. طبعًا الذي دفعني إلى هذا التأمل قارئ مغربي، أدهشني بنباهته، وهو درس في القراءة، عرفت لاحقًا أنه شاعر، إذ لا يمكن من قال هذه اللهفة القرائية، التي ستقرؤونها معي، أن يكون شخصًا عاديًا. ليس لأمر يتعلق بأصابع لوليتا، فهذا قد ينطبق على غيره من النصوص، ولكن لأن الأمر يتعلق بقارئ نموذجي (أيوب مديان) الذي كتب نصًا على نص. لم أتدخل في نصه إلا في تصحيحات طفيفة تتعلق ببعض الكلمات التي تكررت، والتنقيط، ولم أضف شيئًا.«قبل حوالى أربع سنوات من اليوم كنت أدرس بالباكالوريا شعبة علوم فيزيائية، ذات مساء التقيت -في مقهى- بأستاذ يدرسني اللغة العربية وهو رجل جميل مهووس باﻷدب (محمد كروم)، روائي وقاص أيضًا، من مدينة تارودانت، جنوب المغرب. وجدته منهمكًا في قراءة أصابع لوليتا لواسيني. تحصلت على الباكالورايا وغادرت المؤسسة وكنت كلما سمعت العنوان أتذكر أنه علي أن أقرأ نص أصابع لوليتا. قرأت نصوصًا أخرى، ولم أصل إلى تلك اﻷصابع الشهية. قرأت وقرأت وظلت اﻷصابع بعيدة. ومضت سنوات الجامعة في شعبة علمية، اليوم أوشك على إنهاء سنوات دراستي بها. بعد أربع سنوات تمكنت من تلبية رغبتي في قراءة ذلك النص - ومن الحصول عليه- أنهيت قراءته قبل أسبوع من اليوم. أول ما لامست الرواية، كنت أحس لوليتا بكل غنجها وأنوثتها، تنفجر بين يدي وأنا لم أفتح الكتاب، لم أدخله بعد. قرأت العنوان فقط وأنا أتحسّس الكتاب. أصابع لوليتا. ستتشظى في اﻷخير. كنت عالمًا بنهاية النص ولكن البناء الفني للرواية، والعمق اﻹنساني جعلاني أقف مندهشا أمام قوة الخلق. في لحظات، بالتحديد في الخمسين صفحة اﻷخيرة، انتابني خوف على مصير كنت أعرفه مسبقًا. لكن الخوف لازمني. خفت كثيرًا. كيف للوليتا أن تنفجر؟ كنت ألهث وأنا أتتبع خطاها، وأرتعب من كل حركاتها، من جلوسها ودخولها إلى الدش، من تغير ملامحها، من ارتباكها. كنت أعرف مصيرها، ولكنني خفت بالرغم من ذلك. خفت أن تسحبني- ربما- من يدي، فانفجر معها، وأفقد حياتي أيضًا! إنه الخوف يا صديقي، الخوف يا أبي، الخوف يا جدي، الخوف أيها الروائي الحكيم. الخوف الذي استطعتَ أن تزرعه بفنية فيَّ، وأنا أعيش كل تلك التفاصيل. أن تتوصل إلى إدراك فن الرواية في بعده اﻹنساني. وأنا أحب الفعل اﻹنساني حتى في الكتابة. حقًا عشت النص بلحظات الخوف والفرح. تشممت عنق لوليتا. ترسبت في عينيها مثل قطع الزجاج المتناهية الصغر. تسمرت في الشارع في جو صقيع كما كانت تفعل الشرطة. كل تلك الأضواء التي كانت خافتة وتارة قوية. كنت أراها ملء عيني. لم أكلمك عن يونس مارينا ﻷنني كنت هو -هو تمامًا- ما أجمل ما كتبتَ. ما أجمل ما لم تكتبه بعد. أطال الله في عمرك لكي نحب العالم أكثر وأكثر».