وطنٌ يجمعنا
تاريخ النشر: 20 سبتمبر 2016 01:29 KSA
عندما كنَّا صغارًا، كنَّا نجلسُ على عتبة بابنا في مكَّة المكرَّمة في موسم الحجِّ، نراهن على جنسيَّة الحاجِّ عند مروره، نتبارى في معرفة الجنسيَّات. هل المار حاجٌّ ليبيٌّ؟ أو هنديٌّ، أو إندونيسيٌّ؟ ثمَّ نحدد الجنسيَّة بالجغرافيا، فكل شرق آسيا مثلاً بالنسبة لنا جنسيَّتهم «جاوة»، أو «هنود»، نأكل من أكلهم، ويسكنون بيوتنا، ونتعلَّم لغتهم، ونباهي بها، وتتطوَّر الأحاديث بيننا، وتتنوَّع فسحة ثقافيَّة تتلوَّن بها أيَّامنا عن طريق تواصلنا بالعالم عبر الحجَّاج، هذا التواصل أشبه بحياة أخرى ننتظرها، فتشكِّل لنا دائمًا ملجأ نحتمي فيه من سطوة العزلة، ونستنبط منه رحيقًا يبدد الكآبة والرتابة، فلم يكن في زمننا المواقع الاجتماعيَّة، أو القنوات الفضائيَّة، أو أدوات العولمة المتاحة لجيل اليوم.كان للحجَّاج طقوسهم في العبادات، ارتبطت باسم الله وكفى، نحبُّهم ونجلُّهم على طريقتهم، اكتشفنا من خلال الحجِّ عالمًا جديدًا من معايشتهم في بيوتنا وأسواقنا. لم يلقنَّا أحدٌ كرههم لاختلاف مذاهبهم، سواء كانت تلك المذاهب إباضيَّة، أو شيعيَّة، أو أيًّا كانت، بل لقَّننا أهلنا وجيراننا احترامهم وخدمتهم.في سؤال مباغت من حفيدي الصغير: لماذا «حمد» ابن صديقتنا الحساويَّة يصلِّي على قطعة حجر؟ وذلك عندما زارنا، ولعب معه، وتبادلا الحب فيما بينهما، لم يكرهه حتى وإن استنكر اختلافه عنه في إداء العبادات.. قلت له: إنَّه مذهبه، وعلينا احترامه.لا يعرف أطفالنا الكثير عن المذاهب المختلفة، التي هي جزء من نسيج مجتمعنا إلاَّ عن طريق القنوات الفضائيَّة، أو المواقع الاجتماعيَّة. وللأسف الشديد بصورة موجَّهة ومفرِّقة لا جامعة، لا يعرفون أنَّ أهلنا في نجران -شيعة وسنَّة يدًا بيد- يدافعون عن وطن لا نعرف غيره، ولا نتنفس إلاَّ هواه. ولم يغادروا أهالي جنوبنا، ولم تفزعهم القذائف التي تقتل أبناءهم، بل صامدون متَّحدون لتراب هذا الوطن، هؤلاء من يستحقون لقب إخواننا؟ فالله واحد، ولكل طريقته ومذهبه في عبادته.. علينا أن نحترم مذاهبنا، أن نتَّحد حين تفرَّقت الطوائف حولنا، وتمزَّقت أمتنا بجوارنا.. هم إخواننا في الدِّين والوطن، نقيم على ترابه حيث نجتمع على الدفاع عنه، ولا نفترق إلاَّ لأجله.