عمِّي «مولود».. المَكْتبي الأخير

عمِّي «مولود».. المَكْتبي الأخير
في كل مدن العالم، من نيويورك، إلى دمشق، إلى الرياض، إلى باريس، إلى سيول، إلى بومباي وغيرها، هناك مكتبات صغيرة لا يعرفها إلا عشَّاق الكِتَاب، تقاوم الحضارات الثقيلة واشتراطاتها القاسية، وعمليات المحو المتكررة لحساب محلات الموضة والأكل ومختلف التجارات المربحة بسرعة. وتظل هذه المكتبات واقفة حتى ولو كانت أرباحها محدودة. تكفي بالكاد لدفع ثمن الكهرباء والماء والإيجار لكي تستمر. أصحاب هذه المكتبات يسيرون عكس التيار ليربحوا معركة شديدة الصعوبة والقسوة. في الجزائر العاصمة، مكتبة صغيرة من هذا النوع، تحمل في ذاكرتها إرثًا ثقافيًا وحضاريًا كبيرًا يمكن لمسه بسهولة. كان يديرها شخص يكاد يكون شخصية أدبية لغناه الروحي، وسخائه، ومقاومته الأسطورية لكي تستمر المكتبة في الحياة. عمّي موْلود. بعد اعتداء سافر أقعده الفراش طويلا، حتى الموت، غادرنا عمّي مولود وخرج من هذه الدنيا بتواضعه، مقتنعًا بأنه أعطى كل ما لديه، ليس فقط للكتاب، ولكن أيضا لكل محبيه. على الرغم من الغوايات، فقد حافظ على مكتبته النجمة الذهبية حية. كل محبي الكِتَاب لا يمكنهم أن لا يتوقفوا عند عمّي مولود في جولة صغيرة يبحثون قد تكون للبحث عن كتاب قديم مفقود. الكتب والمجلات منظمة بطريقة الأنواع، وعليك أن تبحث بصبر، بينما يبقى هو وراء مكتبه يتأمَّل المارة والعابرين الذين يرتادون المحلات. كم تغيَّر العالم. كم زاد جشع الناس. يقول عمي مولود: من هذه المكتبة أستطيع أن أقول كيف هو المجتمع الجزائري. بصحة جيدة أم مريض. في الفترة الاستعمارية مرّ من هنا كِبار الكُتَّاب والإعلاميين. من كاتب يايين إلى جيل روا إلى كامو إلى غيره. كُنَّا نتحدث عن الجزائر القادمة. كنا نناقش ألبير كامو، عن الجزائر التي كان يحلم بها متعددة الإثنيات والأديان. كنت أتحدث مع الشاعر يحيى أو جون سيناك عن الجزائري ذي الأصول الأوروبية، عناصر هويته ومعوقاتها ومشاكلها، وكيف يمكنه أن يوازن بينها وبين أصوله المتعددة، ومع جمال عمراني عن الكتابة بالفرنسية، وهو المناضل في جيش التحرير الذي حرَّر البلاد. مع كاتب ياسين عن أمازيغيته ومشكلة اللغة العربية التي كانت تبحث عن طريقها. مع مالك بن نابي الذي كان يكتب بالفرنسية عن إسلام آخر استولى عليه الجهلة والمتطرفون. أليست اللغة عائقًا ثقافيًا؟. يضيف عمي مولود: صحيح أن الغالبية في مكتبتي فرانكفونية لأنهم الأكثر قراءة، وهم مَن يزوّدونني بالكتب، المعربون قلّة. أولى ملاحظاتهم أن المكتبة فرانكفونية، كنت أقول لابن هدوقة والطاهر وطار عندما يمرون على المكتبة في 74 ديدوش مراد قليلاً: الجزائر تحتاج إلى أن تتصالح مع كل لغاتها. الأمازيغية والعربية والفرنسية ولم لا اللغة الإسبانية التي كان يتقنها الكثير من كتابنا لأسباب استعمارية وتاريخية، جون سيناك وألبير كامي اللذين كانت أصولهما العميقة إسبانية. أنا جزائري وهذا يعني بالضرورة أني متعدد اللغات. أندرج ضمن هوية واسعة ومواطنة جزائرية. كان نبض البلاد وقتها يُقاس بمناقشات المثقفين. في السبعينيات اتخذت النقاشات طابعا حادًا ومتطرفًا في المسألة اللغوية، وإقصائياً أيضاً، لكن المكتبة ظلت واحة يلتقي فيها الجميع بلا خوف ولا تردد. لكن الناس كانوا يقرؤون كثيرًا. والكثير منهم كان يشتري كتبًا كثيرة. عندما يقرأها يعيدها لي بمقابل بسيط، يأخذ غيرها وهكذا. أستطيع أن أقول إنه كان هناك رغبة محمومة للقراءة. ناس الشارع الكثير منهم أبناء هذه المكتبة. في السنوات الأخيرة قلّوا قليلًا، وأصبح العنف كبيرًا والقراءة شبه منعدمة. حتى أن بعضهم كان يأتيني للمكتبة بما في ذلك بعض الأقارب، بغطرسة فيها الكثير من الجهل. وعلاه تُضيِّع وقتك عمّي مولود في الكتب اللي ما تجيب ولا شيء. لو تبيع المكتبة أو تحوّلها إلى مطعم أو بيتزيريا، ستدر عليك في يوم واحد ما تربحه في سنة. الناس لا يعلمون أن في الدنيا شيئًا آخر غير الجشع والربح والخسارة. هناك شيء اسمه الإنسان. هذا الذي يهمني. إنسان اليوم أصبح مخيفًا لأنه فقد إنسانيته أو هو بصددها. بائس في نظراته وقناعاته. يدخل، يرى المكان، ويرى شيخًا يقف وراء الكتب. يستخسرني في المكان لأنه يرى من ورائه مطعماً أو محلاً يجلب له مالاً كثيراً، ويغادر. عمّي مولود مات مقتولًا قبل أيام قليلة. وموته ليس بريئًا من الوجوه التي كان يتحدث عنها. حاولوا ضربه ولم تكن له أية وسيلة دفاع سوى الكتب التي لم تدرأ عنه الموت. لزم الفراش إلى أن مات متأثراً بجراحه. لم يقتلوا رجلًا، لكنهم قتلوا ذاكرة ومكتبة. وداعًا عمّي مولود. وداعًا لنجمة شارع ديدوش مراد الوحيدة. كنتِ مضيئة لنا ومضاءة به. ذهبت فذهب معها. غدًا لن أتوقف كثيرًا في المكان لأن اسمه تغير، ولأني أعرف أن المتزاحمين عليها ستكون أحاديثهم عن آخر موديلات الألبسة التي تعرضها، أو عن الطبخة الهندية أو المكسيكية التي جاء بها صاحب المطعم الجديد الذي فتح في 74 شارع ديدوش مراد.

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ