كتاب
نفاق أوروبا !!
تاريخ النشر: 24 مارس 2017 01:04 KSA
الأزمةُ الحاليَّةُ بينَ تركيا ودولِ وسطِ وشمالِ أوروبا أبانتْ عن الوجهِ الحقيقيِّ للزعمِ الأوروبيِّ بحريَّة الرأي، واحترامِ حقوقِ الإنسانِ، والمساواةِ بينَ البشرِ، والدولِ بغضِّ النظرِ عن الدِّينِ، واللغةِ، والعرقِ، واللونِ. فقبل أيامٍ سمحت السلطاتُ الألمانيَّةُ للأكرادِ المقيمين فوقَ أراضيهَا تنظيمَ مظاهراتٍ ضدَّ الحكومةِ التركيَّةِ؛ بحجَّةِ المطالبةِ بالديمقراطيَّةِ، وكانتْ -كمَا هُو معلومٌ- قدْ منعتْ من قبل تجمُّعاتٍ مشابهةٍ لأتراكٍ مؤيدِينَ لحكومةِ حزبِ العدالةِ والتنميةِ الحاكمِ في تركيَا. وكانَ بالإمكانِ تجاوزُ الشكوكِ وإثارة التساؤلاتِ، لو أنَّ ذلكَ بالفعلِ كانَ نابعهُ النظرة المساوية والمسطرة المتساوية لكافَّةِ الأطرافِ. غيرَ أنَّه في الوقتِ الذِي وقفتْ ألمانيا وبقوَّةٍ مع هولندا في منعِها لوزراء أتراكٍ، ومنعها لتجمُّعاتٍ لأتراكٍ فوق الأراضي الألمانيَّة بحجَّة الأمنِ والخوفِ من حدوثِ إشكالاتٍ فإنَّها تسمحُ اليومَ للأكرادِ بأنْ يرفعُوا أعلامَ حزبِ العمَّالِ الكردستانيِّ، وهو المصنَّفُ من قِبل الاتحادِ الأوروبيِّ بالحزبِ الإرهابيِّ، بل إنَّ ألمانيا ذاتهَا كانتْ قد حظرتْ أعمالَ الحزبِ ونشاطاتِه في عام 1993م، توافقًا مع قرارِ الاتحادِ الأوروبيِّ.
ليس ببعيد عن الحقيقةِ وصفُ المتحدِّثِ الرسميِّ باسمِ الرئاسةِ التركيَّةِ، الفعلَ الألمانيَّ وعدم فصلِهُ عن السياقِ التاريخيِّ بقولِهِ: «الجذورُ التاريخيَّةُ لهذهِ القضيَّةِ كثيرةٌ، هناكَ خوفٌ قديمٌ جدًّا في أوروبَا مِن كلِّ مَا هُو مسلمٍ وتركيٍّ يظهرُ بينَ الحينِ والآخر في شكلِ الإسلاموفوبيَا، أن فتحَ إستانبول بقيادةِ السلطانِ محمد الفاتح كانَ بمثابةِ صدمةٍ كبيرةٍ لأوروبَا، وأنَّ الأوروبيين لم يغفرُوا للأتراكِ ذلكَ».
هذا الوصفُ ليسَ بمبالغةٍ، أو مجرَّد بروباجندا، بل هُو واقعٌ تاريخيٌّ ومعاصرٌ يسودُ ويسيطرُ على العقليَّةِ الأوروبيَّةِ في تعاملهَا معَ الإسلامِ والأتراكِ، وتصريحِ وزيرِ الخارجيَّةِ الألمانيِّ (سيغمار غابرييل) الأخيرِ عن إمكانيَّةِ انضمامِ تركيَا للاتحادِ الأوروبيِّ مثالٌ علَى تلكَ العقليَّةِ في قولِهِ بكلِّ صراحةٍ: «نحنُ بعيدُون أكثرَ مِن أيِّ وقتٍ مضَى عن ضمِّ تركيَا إلى الاتحادِ الأوروبيِّ». وهكذَا تصريح يتنافَى كليَّةً مع الادِّعاءاتِ الأوروبيَّةِ بالمساواةِ بينَ الدولِ. ففي حين تشكِّلُ تركيَا ثاني أكبرِ جيشٍ في حلفِ الناتو، وهو حلفٌ عسكريٌّ تأسَّسَ بعدَ الحربِ العالميَّةِ الثانيةِ لحمايةِ أوروبَا تحديدًا من خطرِ اجتياحٍ سوفيتيٍّ ، ومطالبتها، أيّ تركيا، بالمشاركةِ الفاعلةِ لمكانتها الإستراتيجيَّةِ المجاورةِ للسوفيت، ولروسيَا اليومَ يرفضُ الأوروبيُّون ضمَّها إلى اتحادِهم السياسيِّ بحججٍ كلها واهيةٍ، ولكي تبدُو الصورةُ أكثرَ قبولاً يروِّجُ الأوروبيُّون لمزاعمَ منهَا انعدامُ الديمقراطيَّةِ وحريَّةِ الإعلامِ في تركيَا. وهم يدركُون، والحقائقُ تشيرُ إلى أنَّ الانتخاباتِ التي أوصلتْ حزبَ العدالةِ والتنميةِ للحكمِ في تركيَا منذ 2002م كانتْ شفافةً ونزيهةً، وأنَّ الأتراكَ صوَّتُوا بكلِّ حريَّةٍ وإرادةٍ ذاتيَّةٍ لما يرون أنَّه يحمِي مصالحَهم ومعاشَهم، وهو ما أثبتتهُ الأيامُ حينَ تمكَّنَ الحزبُ من انتشالِ اقتصادِ البلدِ المنهارِ ليكونَ أحدَ أقوَى اقتصاديَّات العالمِ، ويرفعُ من سعرِ العملةِ التركيَّةِ بطريقةٍ عصيَّةٍ علَى الفهمِ حتَّى يومِنَا هذَا.
ما يحدثُ هُو أنَّ أوروبَا التي كانتْ ترعَى علمانيَّةً فاسدةً في كلِّ أشكالِها السياسيَّةِ والاقتصاديَّةِ والإنسانيَّةِ في تركيَا، وهِي ترَى تحوّلاتٍ جذريَّةً ومؤثِّرةً على يدِ حزبِ العدالةِ والتنميةِ، ذي التوجُّهاتِ الإسلاميَّةِ، مرعوبةٌ جدًّا، وخوفهَا من عودةِ الروحِ إلى جسدٍ أنهكتهُ المؤامراتُ وأبقتهُ كسيحًا، وتودُّ أنْ ترَاه إلى الأبدِ كمَا كانتْ تسمِّيه: «رجل أوروبَا المريض».