كتاب
الفايدي.. العصاميُّ الذي أتقن مهنة النخبة..!
تاريخ النشر: 04 أبريل 2017 01:06 KSA
* ليس من ساحةٍ، أو دائرةٍ تتزاحمُ فيها المناكبُ، وتصطخبُ فيها الأصواتُ، وتتعالى مثل دائرة المثقفين والصحافيين والكتبة، وليس من مهنةٍ مثلها تستغرق على أصحابها، أو مريديها والمشتغلين بهمومها أوقات حياتهم، وتقتحم عليهم دواخل أنفسهم، ساكبةً فيها قدرًا كبيرًا من الألم والأمل -معًا-، ولربما قضى أصحابها حزنًا وكمدًا على عدم قدرتهم الوفاء بما ألزموا أنفسهم به من مبادئ ومُثل، لا تبعد كثيرًا عمَّا ألزم به المشتغلون بعلم الفلسفة أنفسهم، فعاشوا في مجتمعاتهم غرباء، ولربما نظر إليهم الآخرون بأنَّهم عشقوا المثاليَّة، واتَّحدوا بها اتحادًا لا انفصال عنه، ولا محيد من التمسُّك به حتّى وإن ذهب بهم سلوك هذه الطرق الصعبة أن يبقوا في الظل، وبعيدًا عن الصفوف الأولى في مسرح الحياة، والذي يفسح أحيانًا أمكنةً متقدِّمةً لذوي المواهب المتواضعة، بينما يظلُّ أصحابُ العلم المترسِّخ والمواهب المتَّقدة في الصفوف الخلفيَّة.
تُرى مَن يتذكَّر اليوم في عالم الكلمة، ودنيا الحرف أسماء مثل: عبدالله سلامة الجهني، وحمد الحجِّي، وسليمان سندي، وماجد الحسيني، ومحمد عالم أفغاني، وسراج خرَّاز، وطالع الحارثي؟
* ولعلِّي أكتبُ هذه المقدمة، أو هذا التمهيد، بعدما عرفتُ عن طريق الإنسان الشاعر عبدالمحسن حليت برحيل الزميل الأستاذ محمد الفايدي -رحمه الله- أو من كان يفاخر عند مناداته باسم ابنته الكبرى «انتظار»، كما كان رفيق دربه المرحوم الأستاذ محمد صادق دياب يحبِّذ أن يُنادى عليه بأبي غنوة، وأذكرُ في هذا السياق أنَّني عرفتُ الصحافيَّ والكاتبَ الفايدي عن طريق تحقيقاته الصحافيَّة المثيرة، وخصوصًا تلك التي تنكَّر فيها بزي متسوِّل، وهي تبرهن على ترسُّخ الموهبة الصحافيَّة لديه، ولكن يبدو أنَّه كان أكثر ميلاً للعمل مع الدكتور الأديب عبدالله منَّاع، إبَّان رئاسته لتحرير مجلة اقرأ، وظلَّ المنَّاعُ رمزًا في حياته، وأخاله -أي المنَّاع- كتب مقدَّمة أحد كتبه، رغم ما أثارته تلك المقدِّمة من غبارٍ كثيفٍ في شارع الصحافة.
* عن طريق الأخوين الكريمين علي الحسون، وعبدالمحسن الحليت، تعرَّفتُ على شخصيَّة المرحوم «الفايدي»، فشاهدتُ البساطة تطغى على شخصيَّته، وهي قرينٌ لتلك العصاميَّة التي طبعت معظم سني حياته، وهي مقرونة بشيء من الصراحة والحدَّة، وأتذكَّرُ في هذا السياق أنَّنا كنَّا نلبِّي دعوةً للزميل الكبير الأستاذ أحمد محمود، وكان صوت المرحوم رضا لاري يملأ بهو المجلس، وكان يحلو له مداعبة أستاذ الجيل محمد صلاح الدين الدندراوي -رحمه الله-، فإذا بالمرحوم الفايدي يعاتبني على مضمون مقالة كتبتُها في هذه الزاوية، التي مضى على بداياتها ما يقرب من ثلاثين عامًا، وحاولت أنْ أتقبَّل نقده الذاتي الحاد، وخصوصًا أنَّه يفعل ذلك مع العديد من الكتَّاب، ولا يستطيع الانفكاك عمَّا أخذ به نفسه من صراحة هي رديفة المثاليَّة التي أشرت إليها في مقدِّمة هذه الكلمة الرثائيَّة، التي أزعمُ أنَّها لا تحيطُ بذلك المدى الواسع الذي كان يتنقل فيه «أبو انتظار»، باحثًا عن المجهول، أو ما دعاه فلاسفة القوم بإكسير الحياة، ذلك الذي ربما يقبع في قمم الجبال، وقيعان البحور، ولربما كان قابعًا في دواخلنا أكثر منه في مشاهد الحياة المتعدِّدة، والتي يأتي الموتُ خاتمةً لها؛ للدلالة على أن الديمومة لله وحده -عزَّ وجلَّ-.
رحمَ اللهُ الفايدي، والعزاءُ لأهلِهِ ورفاقِهِ.