كتاب
رحلة ابن جبير.. في أفق السرد الحديث
تاريخ النشر: 04 أبريل 2019 01:00 KSA
الحديث عن ابن جبير هو حديث عن الممارسات الأدبية السردية العربية التي وصلت إلى درجة مهمة من الارتقاء لدرجة أنها حاذت إلى حد ما، أنواعًا من النصوص المهيمنة اليوم، أي الرواية، ورواية المذكرات أو رواية المغامرات أيضًا.. ربما كانت الخاصية الكبيرة في هذا النص لغته التي جاءت مخففة من عبارات زمنها التي تثقل العمليات السردية ومساراتها.. عنوان الكتاب الأصلي هو ابن جبير، تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار (رحلة ابن جبير) التي استغرقت أكثر من ثلاث سنوات (من الاثنين 3 فبراير 1182، إلى الخميس 25 أبريل 1185) يحتاج هذا النص إلى قراءة نقدية متبصرة تضعه في أفق البحث الداخلي على المستويات الثلاثة، اللغوي، القصصي بنيويًا، والتخييلي.. إذا كان اللغوي يظهر بسرعة، إذ إن ابن جبير لم يحتفظ من اللغة العربية إلا بجانبها الوصفي، متخلصًا من النعوت والمترادفات الثقيلة التي كثيرًا ما صاحبت التعبيرات الكلاسيكية اللغوية، فالبنيوي يمكن استخلاصه من الشكل السردي الذي اختاره الكاتب، أي اليوميات التي تحدد اللحظات الحياتية للرحلة.
أما الجزء التخييلي لا يظهر في الرحلة مباشرة، لأن الوقائعي كثير ما سرق التخييلي، ولكن في وصف العواصف البحرية التي تلعب بالسفينة التي كان يركبها، حيث لا قوة إلا قوة اللغة التي تدفع باللحظة الحقيقية نحو أعماق المتخيل الواصف.. فتصبح لغة التعبير داخلية تتخطى عتبات الحقيقة الموضوعية: وفي ليلة الأربعاء بعدها، عصفت علينا ريح هال لها البحر وجاء بعدها مطر ترسله الرياح بقوة، كأنه شآبيب سهام.. فعظم الخطب واشتد الكرب.. وجاءنا الموج من كل مكان أمثال الجبال السائرة فبقينا على تلك الحال الليل كله واليأس قد بلغ منا مبلغه.. وارتجينا مع الصباح فرجة تخفف عنا بعض ما نزل بنا، فجاء النهار وهو يوم الأربعاء التاسع عشر من ذي القعدة، بما هو أشد هولاً وأعظم كربًا.. وزاد البحر اهتياجًا، وأربدت الآفاق سوادًا، واستشرت الريح والمطر عصوفاً، حتى لم يثبت معها شراع، فلُجئ إلى استعمال الشُّرُع الصغار، فأخذت الريح أحدها ومزقته.. وكسرت الخشبة التي تُربط الشُّرع فيها.. توصيف للعواصف البحرية يُقرب النص من السردية الحديثة التي تجعل منه نصًا مغامراتيًا بحريًا من الطراز المميز.
كتب ابن جبير هذه الرحلة في شكل يوميات سجل فيها مشاهداته وأحاسيسه وهو يقطع الأمصار من بلد إلى بلد.. كانت الرحلة عبارة عن وريقات مبعثرة قبل أن يجمعها أحد تلاميذه، ويبوبها، وينشرها في كتاب حمل العنوان المذكور، وعرف لاحقًا الكتاب باسم «رحلة ابن جبير».. ما يجعلها حية، هو أن ابن جبير دوَّن بعضها في وقتها، وبعضها الآخر بعد مدة قصيرة من رحلته، وكأننا أمام يوميات معاصرة.. على العكس من ابن بطوطة (779هـ)، الذي أملى رحلته لاحقًا على كاتب السلطان المريني: محمد بن جزي الكلبي.
للأسف نحن لا نقرأ تراثنا السردي ولا نعرفه، ونذهب نحو المسالك الأكثر سهولة.. مع أن نصًا مثل هذا هيأ سرديًا، على الأقل تاريخيًا، للميراث الإنساني وأغناه، بينما نفرته مؤسسة السرد العربي المحكومة بالجاهز، وعميت عنه المؤسسة النقدية زمنًا طويلاً.. وهو ما يمكن أن نسميه اليوم بذاكرة الرواية العربية الغائبة، في ظل القطيعة المفروضة وغير المبررة مع النصوص التي غيبها العقل المحدود جماليًا، على الرغم من أن الرحلة تضاهي الروايات البحرية، وروايات المغامرة العالمية، وقد توفرت فيها العناصر الكبرى للتشويق الروائي الكبير و(السير - ذاتي) لأن ما رواه ابن جبير يمكن اختباره بسهولة من خلال الميثاق المرجعي الذي يؤكد على وجود هذه الرحلة التي قام بها ابن جبير من غرناطة.
أما الجزء التخييلي لا يظهر في الرحلة مباشرة، لأن الوقائعي كثير ما سرق التخييلي، ولكن في وصف العواصف البحرية التي تلعب بالسفينة التي كان يركبها، حيث لا قوة إلا قوة اللغة التي تدفع باللحظة الحقيقية نحو أعماق المتخيل الواصف.. فتصبح لغة التعبير داخلية تتخطى عتبات الحقيقة الموضوعية: وفي ليلة الأربعاء بعدها، عصفت علينا ريح هال لها البحر وجاء بعدها مطر ترسله الرياح بقوة، كأنه شآبيب سهام.. فعظم الخطب واشتد الكرب.. وجاءنا الموج من كل مكان أمثال الجبال السائرة فبقينا على تلك الحال الليل كله واليأس قد بلغ منا مبلغه.. وارتجينا مع الصباح فرجة تخفف عنا بعض ما نزل بنا، فجاء النهار وهو يوم الأربعاء التاسع عشر من ذي القعدة، بما هو أشد هولاً وأعظم كربًا.. وزاد البحر اهتياجًا، وأربدت الآفاق سوادًا، واستشرت الريح والمطر عصوفاً، حتى لم يثبت معها شراع، فلُجئ إلى استعمال الشُّرُع الصغار، فأخذت الريح أحدها ومزقته.. وكسرت الخشبة التي تُربط الشُّرع فيها.. توصيف للعواصف البحرية يُقرب النص من السردية الحديثة التي تجعل منه نصًا مغامراتيًا بحريًا من الطراز المميز.
كتب ابن جبير هذه الرحلة في شكل يوميات سجل فيها مشاهداته وأحاسيسه وهو يقطع الأمصار من بلد إلى بلد.. كانت الرحلة عبارة عن وريقات مبعثرة قبل أن يجمعها أحد تلاميذه، ويبوبها، وينشرها في كتاب حمل العنوان المذكور، وعرف لاحقًا الكتاب باسم «رحلة ابن جبير».. ما يجعلها حية، هو أن ابن جبير دوَّن بعضها في وقتها، وبعضها الآخر بعد مدة قصيرة من رحلته، وكأننا أمام يوميات معاصرة.. على العكس من ابن بطوطة (779هـ)، الذي أملى رحلته لاحقًا على كاتب السلطان المريني: محمد بن جزي الكلبي.
للأسف نحن لا نقرأ تراثنا السردي ولا نعرفه، ونذهب نحو المسالك الأكثر سهولة.. مع أن نصًا مثل هذا هيأ سرديًا، على الأقل تاريخيًا، للميراث الإنساني وأغناه، بينما نفرته مؤسسة السرد العربي المحكومة بالجاهز، وعميت عنه المؤسسة النقدية زمنًا طويلاً.. وهو ما يمكن أن نسميه اليوم بذاكرة الرواية العربية الغائبة، في ظل القطيعة المفروضة وغير المبررة مع النصوص التي غيبها العقل المحدود جماليًا، على الرغم من أن الرحلة تضاهي الروايات البحرية، وروايات المغامرة العالمية، وقد توفرت فيها العناصر الكبرى للتشويق الروائي الكبير و(السير - ذاتي) لأن ما رواه ابن جبير يمكن اختباره بسهولة من خلال الميثاق المرجعي الذي يؤكد على وجود هذه الرحلة التي قام بها ابن جبير من غرناطة.