كتاب

الخوف من موات الطبيعة وقيم الانتماء لدى أطفال المدارس الأجنبية!

أشفق كثيرًا على أطفال المناطق الجديدة، كالتجمع الخامس والرحاب ومدينتي والعاصمة الإدارية في مصر، من انتفاء حبهم للطبيعة، ومعرفتهم بقصة الرغيف، وطريقة فهم أو افهامهم لمعنى «الخلق» وقدرة الخالق!

المدهش بل المؤسف أن هذا الطفل الذي دفع له أبواه «مصاريف» تصل في بعض المدارس الأجنبية والدولية إلى 100 ألف جنيه.. أكرر مائة ألف جنيه للسنة الدراسية السابقة لأولى ابتدائي وليس للعمر كله، سيكبر دون أن يعرف قيمة الإحساس بشرف الكد، وجمال الكدح والسعي، وأشياء أكثر من أن تعد، اسمها العلمي «أصول التربية»!


والأكثر أسفًا وإيلامًا أن مثل هؤلاء لن يعرفوا من معاني الإنتماء سوى «العلم» إن كانت مراسم تحيته مازالت سارية! وفي حال ضعف الانتماء ستهون قيمة الوطن، ولن يثور أحدهم أو يحزن لفقدان الخريطة!

بمناسة الخريطة تذكرت حسرة الأديب الرائع يحيى حقي على ولادته ونشأته في القاهرة وليس في الريف، وفي وصف تلاميذ المجتمعات الجديدة يقول «لم يحدثهم أحد عن أشجار مصر وطيورها وحيواناتها، كأنما طلب منهم أن يسيروا في مناكبها كالعميان! درسوا ري الحياض فكان لغزًا لم يفهموه، بل انهم درسوا الجغرافيا على خريطة مبسوطة.. بقيت إلى أن ذهبت للصعيد في سن الثانية والعشرين، لا أفرق بين القمح والذرة، في الحقل»!.


والحق أن حديث أستاذي يحيى حقي دفعني دفعًا، لكي أكتب عن أصول التربية الريفية، وكأنها زهرة برية أريد أن أغرسها في نفوس الأحفاد، وأرويها بأحلامي المتأججة وذكرياتي المتوهجة، كأنها وصية ظلت مؤجلة!

لقد كان الصباح عندنا مظاهرة، حيث الصحو الجميل، والنوافذ مشرعة على الخرير وصوت العصافير والهديل! ولا أدري في الحقيقة لماذا كنت أربط الحب والشعر بالريف، باعتبار أن منبتهما هو القرى لا القاهرة!

رحت أحسب عدد الشعراء والقصاصين والروائيين والفنانين التشكيليين، بل والمطربين الذين ولدوا في الريف، مقارنة بمن ولدوا بالقاهرة، منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى الألفية الجديدة، فانتابني شعور بالقلق من خطورة التجريف!

أعرف أن الريف تغير وأصابه ما أصابه، وأن حياة الفلاحين بل وسلوكيات بعضهم قد تغيرت بفعل إيقاع الحياة والغلاء، فضلا عن التلفزيون والانترنت، لكنني واثق من كمون الأصول في نفس كل ولد وبنت!

حتى وقت قريب، كان الرجال يربون صبيانهم على قيمة الرزق الحلال، وكانت النساء يعودن بناتهن على الرضا بالواقع وعدم السير وراء الوهم والخيال، لقد كانوا يلقنونهم فور بدء الفهم والكلام، حكايات وحواديت عن خطورة الاقتراب من المال الحرام.

بينهم وبين حقول الأمل خيط حب وحبل مودة.. أيام فرح وأيام شدة.. في مواسمهم البسيطة لا يكفون عن الحلم بالطمي والخصوبة.. فصباحها شمس، ومساؤها يقاوم جفاف الروح والرطوبة.

حتى الآن أحاول أن أعيشها وأنشر قيمتها وقيمها في القاهرة! فلكل «عزقة أرض» حنين، ولكل «رية زرع؛ يقين» ولكل «غرسة أو شتلة» أمل، ولكل حصاد نتاج وفرح مبين.

لقد كانت كل أم مهما فعل بها الزمن، تلوح كل صباح بوجه راض صبوح، مرددة لمن يستيقظ أولا من البنات والبنات: نهارك لبن!

كان كل أب يعلم أولاده مبكرًا، المعنى الحقيقي والتوقيت المناسب لقل ولا تقل، مهما تغير الحال أو تبدل.. التزم بالحق والصراحة وبالعدل! في الأفراح لا تتكاسل، وفي الأطراح لا تتردد أو تؤجل، واذا عزمت على المواجهة فتوكل.. واصبر وتحمل.

يكبر الصغار، ويذهبون للجامعة في الاسكندرية أو القاهرة، حيث السكنى في المدن الجامعية، أو ينضمون بعد التخرج إلى مواقع الجيش الأصلية في السويس والقنطرة وحباطة والاسماعيلية، فاذا ما عاد أحدهم من السفر، لملمه الشجر، ورطبه الخبر، وحاكاه القمر، أن اقترب وقت الخطوبة، فأفرح، وجهز نفسك، وانتظر.

لقد اكتشفت أنهم يطبقون دون أن يدروا بالتأكيد نظرية «مونتسوري» التربوية، ليس فقط في مراقبة سلوكيات الصغار، وإنما في مساعدتهم على تطوير قدراتهم الإبداعية، وإدارة الوقت، وقول الحق بكل حرية واستقلالية.

لقد كانوا يطبقون كذلك نظريات فرويل في تنمية الحس والحواس، وجعل الطبيعة مجالا خصبًا للتعلم وللتربية، عبر قوانين الطبيعة التي تتحكم في الكائنات الحية.

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ