كتاب

حادثة عمالية شنيعة

على خطى (بائع الجرائد) الأمي البسيط الذي كان يطوف الحواري المصرية القديمة بشعره الأشعث وملابسه الرثة حاملاً بين يديه كومة من الصحف اليومية، ومنادياً بأعلى صوته: «أخبار، أهرام، جمهورية، حادثة شنيعة، حادثة شنيعة»، قبل أن ينتهي المشهد بتجمع الناس حوله وشرائهم كل النسخ، أقترح على الزملاء رؤساء ونواب التحرير بالمؤسسات الصحفية الكبرى، وعلى شركات النشر والتوزيع، التفكير جدياً في إعادة استثمار (بائع الجرائد)، من أجل زيادة القراء وجلب المعلنين، ويكفيهم التركيز على تلك الحوادث العمالية البشعة التي يرتكبها بعض الأجانب بحق المواطنين!

«الرياض، المدينة، اليوم، حادثة شنيعة، حادثة شنيعة، قيام مشرف أجنبي بالتحرش بموظفة تحت سلطته المباشرة وتهديدها بالقتل بسلاح ناري»، هذا الخبر لو سمعته الثالثة فجراً من (بائع الجرائد) لنهضت من عز نومك فزعاً ونزلت مسرعاً بملابسك الداخلية وأخذت الدرج في خطوتين لتلحق بالنسخة الأخيرة! في الحقيقة إن الحوادث الشنيعة لا تقتصر على تلك الحوادث الجنائية التي كان يعلن عنها (بائع الجرائد) بصوته الشجي؛ «صعيدي يقتل زوجته وطفليه، شابة تتفق مع عشيقها للتخلص من زوجها، بلطجي يذبح بلدياته أمام المارة»، في الحقيقة إن الحوادث الشنيعة قد تأتي بهيئة قرارات عمالية تعتمد (القتل البطئ) حين يقف ذلك المشرف الأجنبي عائقاً وراء تعيين أبناء البلد محتكراً الوظائف لأبناء جلدته، حين يعتاد فصل السعوديين بفترة التجربة أو بالمادة 77، حين يسرح المواطنين دون أسباب ويقطع أعناقهم أقصد أرزاقهم وأرزاق عوائلهم!! لو أعيدت صفحة الحوادث للجرائد العريقة لامتلأت عن آخرها بالحوادث العمالية الشنيعة، وليس هناك أدل من الحوادث التي تم تداولها مؤخرًا؛ «موظف أجنبي يسيء للبلاد ويتم ترحيله من شركته قبل محاكمته، جمعية صحية تفصل خمس موظفات وتعين موظفة أجنبية، موظف سعودي يفاجأ بفصله بقرار من قبل المستشار الأجنبي بعد أن طالبه بإبراز (توكلنا)»! لو تم استطلاع الرأي من المختصين اجتماعياً وقانونياً وقضائياً لتوضيح أسباب تفشي وقوع مثل هذه الحوادث العمالية البشعة بحق شبابنا المتطلعين لأجمعت كافة الآراء على تحميل الموارد البشرية الأسباب الجوهرية، خاصة أننا اليوم نحتفل جميعاً بذكرى تأسيس الدولة السعودية قبل 300 سنة، خاصة وأننا مكتفين ذاتياً بوجود شبابنا المؤهلين علمياً وعملياً، خاصة وأن الأنظمة المرعية تقضي جميعاً بأن العمل حق للمواطن لا يجوز لغيره شغله!


فكرتي هذه قد تحيي ورق الصحف اليومية وهي (دشت)، لكنها لن تحيي الأمل في الموارد البشرية، التي غاية ما ستقرره عند قراءة هذا المقال هو (سعودة بائع الجرائد) لينطلق صوت ذلك الشاب الجامعي -الذي سبق ابتعاثه- الساعة السادسة فجراً محبطاً متململاً؛ «مكة، الوطن، الجزيرة، حادثة عمالية شنيعة، حادثة عمالية شنيعة، قيام مواطن بوضع حد لطموحه حين ألقى بكل أحلامه من أعلى جسر المستقبل» لتظل أعداد الجرائد كاملة بين يديه ويظل المواطنون مستلقين على فرشهم بعدما طار النوم من أعينهم وملوا من قراءة نفس الحوادث الشنيعة!

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة