كتاب

(تخشُّب) المشاعر..!

* صنع الإنسان التقنية بمختلف مجالاتها، وذهب بآماله وأحلامه بعيداً إلى حيث أن يُسخر تلك التقنية لخدمته، وتسهيل المهام أمامه وقد كان، إلا أنه مع فورة حماسه لم يكن يلقي بالاً إلى جانب أنه (يصنع) تعاسته، نعم تعاسته، ولو بنسبة، فما أفرزته التقنية من جوانب سلبية في حياته ليس له من باب رد الجميل نصيب.

* فها هي البطالة تضرب أقطار العالم، وموجة الاستغناء عن الموظفين بسبب (احتلال) التقنية لمكانه في تصاعد مستمر، لدرجة أن أصبحت تلك المصانع العملاقة التي كانت أشبه بخلية نحل خالية إلا من عدد محدود من الموظفين، فالتقنية تقوم بكل شيء، وبجودة لا مجال للإنسان أن يصل إليها، رغم أنه من صنع تلك الآلة، وأبدع تلك التقنية.


* هكذا سارت الأمور بعكس ما تشتهيه رغبات الإنسان، الذي كان يطمع في (تسمين) رصيده، فأصبح اليوم في موقع سداد الضريبة، وما من سبب إلا هجوم التقنية اللامحدود على مختلف جوانب حياته، فأصبحت تتحكم في كل شيء، بل وتقوده إلى حيث تشاء، وإن (هنقت) فليس له إلا أن ينتظر متى (يطيب) لها خاطر؛ ليعود من خلالها إلى (الحياة)، ولكم تخيل كيف وصل الحال بالإنسان عندما (تتعطل) قناة من قنوات التواصل، وكيف أنه يصبح يدور حول نفسه، وليس له من حيلة إلا (إعادة التشغيل).

* هذا دون أن أغفل جانب هام من جوانب (نقمة) التقنية التي حلت بالإنسان، حيث ما أفرزته من (أمراض) هي نتاج لفكرة (دع الجهاز يتدرب عنك)، فأصبحت السمنة، والتواكل، وقلة الحركة سمة عصر الآلة والتقنية، فضلاً أنها طالت حتى جانب الذكاء الفطري، الذي أصابه ما أصابه، في كون أن الآلة تقوم بكل شيء، كل ما عليك أن تدخل المعطيات المطلوبة، وبضغطة زر تحصل على الناتج، في (تحييد) تام لإِعمال العقل، وشحذ همة التفكير، الملكات التي بكل أسف لم تعد بذات القدر من الفاعلية كما هو شأنها، وما نشاهده من اختراعات، واكتشافات لا تزال حبراً على ورق.


* بل أن الأمر ازداد تعقيداً في كون التقنية أصابت (مشاعر) الإنسان في مقتل، ولا أدل على ذلك مما نشاهده اليوم من (تخشب) في المشاعر، إلى تلك الدرجة التي يقف فيها الشخص ليصور كارثة حلت بالآخرين، في برود عجيب، فلم تعد مشاهد (الدماء) ترعبه، في ظل اعتياد مشاهدة آلاف المقاطع التي تُصدر بعبارة (ممنوع لأصحاب القلوب الضعيفة) أو (فقط لأصحاب القلوب القوية).

* ولك عزيزي القارئ أن تتوقف عند عبارة لأصحاب القلوب القوية، وكأنها تحمل رسالة مبطنة تستحث في الشخص ألا ينكسر أمام نفسه، فيلجأ إلى قبول التحدي مرة بعد أخرى، ثم ما يلبث أن (تتخشب) مشاعره، فتصبح تلك المشاهد الدموية التي كان يتحاشى مشاهدتها بالأمس، مما يسهم في نشره، ومشاركته، إن لم يكن تصويره وإخراجه اليوم.

* هل لمستم إلى أين أوصلتنا الآلة، وكيف أننا نعيش في زمن (احتلال) التقنية، ذلك الاحتلال الذي نحاول أن نتعالى عليه، وفي مواضع كثيرة ننكره، رغم ذلك الصوت الداخلي الذي يقول (كان غيرك أشطر يا مسكين)، وإن كنت بحجم التحدي فجرب أن تعيش بدون ملاحقة قنوات (السوشيال ميدياً)، واعد نفسك إلى نفسك إن استطعت إلى ذلك سبيلاً.. وعلمي وسلامتكم.

أخبار ذات صلة

شراء المشاهدات
يتغيَّرون.. ونكتفي نحن بالطلاء!
سيدة «نساء» جدة
حين نرى الأشياء بعين مختلفة
;
ما بين الأمراض المزمنة والكلام المسموم رواية أخرى
شكرًا
حفل تخرج الروضة!!
عام جديد.. ونبضات متعبة
;
الإنسان قبل أن تسبقنا الآلة
الجمهور الداخلي.. الحلقة المنسية في الدبلوماسية العامة
رحلة الشيخ عبدالله العباسي إلى الحج
جبل عمر أيقونة التاريخ والاستثمار.. إلى أين؟
;
حين يصبح التسول مهارة وظيفية!
مَن يتذكَّر أرقام الجلوس؟!
حين يدفع الوطن أجر الألم
من منح العقل والبصيرة