كتاب

التسمِّي بالأنبياء والرسل.. ما دلالاته؟

حتى نحكم على نظرية ما، ينبغي أن نضع المتبنِّين لها وأتباعها على محك المفاصلة، التي تُبين الجادَّ من الهازل؛ كون النظرية -أي نظرية- أصبحت اليوم تُشكِّل عصًا يتوكَّأ عليها الجميع، ويهشُّون بها على فلسفة ادِّعاءاتهم، التي يدندنون بها ويؤكدون عليها كثيرًا، وهو ما يتطلب مزيدًا من الفحص والتبيُّن حول هذا الأمر. ننطلق من هذا المهاد للقول: بأن دعوات التسامح بين أتباع الشرائع السماوية (الإسلام والمسيحية واليهودية) ارتفع صوتُها في الفترة الأخيرة؛ بهدف خلق حالة من الوفاق والوئام بين سكان كوكب الأرض، لكن - وكما أسلفت في صدر المقال - فإن وضع المُتبنِّين لأي نظرية على محك المفاصلة، هو الحل الأسلم لمعرفة مصداقية المتبنين لهذه النظرية، ولذلك فإن نظرية التسامح بين أتباع الشرائع السماوية يمكن الوثوق بها بعد النظر في ممارسات المتبنين لها، والداعين إليها، ومدى صدقهم والتزامهم معها. ننطلق أولًا من المسلمين، ونضعهم أمام ثلاثة محكات: المحك الأول- محك الإيمان بموسى وعيسى عليهما السلام، المحك الثاني- محك الإيمان بكتابيهما المنزلين من عند الله (التوراة والإنجيل)، المحك الأخير- التسمِّي بموسى وعيسى عليهما السلام.

في المحكين الأول والثاني، نجد أن الإيمان بهما يمثل ركنين أصيلين من أركان الإيمان لدى المسلمين، بل ولا يُعد المؤمن مؤمنًا إلا حين يؤمن بكُتب الله كلها، ومنها (التوراة والإنجيل)، ورسُل الله ومنهم (موسى وعيسى). أما المحك الثالث (محك التسمي بموسى وعيسى) فهو محك لا يتوقف عليه كفر ولا إيمان لدى المسلمين، بل لم يؤمروا بالتسمي بهما، ومع هذا نجد المسلمين يتسمون بموسى وعيسى عليهما السلام، ولا يجدون في أنفسهم حرجاً من ذلك، بل يرونه شرفاً لا يعدله شرف، إلا شرف التسمي بنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا المحك (محك التسمي بموسى وعيسى) أراه أكثر دلالة على تسامح المسلمين مع غيرهم؛ كونه لم يأتِ نتيجة أمر إلهي، أو إلزام أو توجيه، وإنما جاء دليلًا على محبتهم الأنبياءَ، وعنوانًا بارزًا على تسامحهم.


في الطرف الآخر من المعادلة، نجد أن أتباع (اليهودية والمسيحية) لا يؤمنون بنبي الإسلام (محمد) ولا برسالته (الإسلام)، مع أن في التوراة والإنجيل إشارات واضحة على نبوة محمد ورسالته، وهي بمحل الأمر الإلهي المُلزِم، أما في مسألة التسمِّي بمحمد، فذلك دونه خرط القتاد؛ فلا أعلم أن هناك يهوديًّا ولا مسيحيًّا تسمَّى بمحمد. من هذا نخلص إلى أن دعوات التسامح (من الجانب اليهودي والمسيحي) تفقد مصداقيتها في اختبار المحكات الثلاثة السابقة، وخاصة محك التسمِّي بنبي الإسلام محمد، الذي يجيء بدافع ذاتي، وليس بأمر رباني، ويُعبر عن حالة متقدمة من التسامح مع الآخر. ثم إنه ينبغي التنبيه إلى أن دعوات التسامح الديني مهما علا صوتها وزاد حضورها؛ إلا أنها لم ولن تُفلح في نزع أسباب الكراهية والحروب؛ ذلك أن (الفاعل السياسي)، وخاصة في الغرب، هو الذي يقف اليوم وراء معظم الحروب والفتن في العالم، وقد بينتُ هذا في مقال سابق عنوانه: (هل يكفي التسامح الديني؟)، وقلتُ فيه: «التسامح الديني ضرورة لها مبرراتها، لكنه وحده (لا يكفي)، وليس باستطاعته نشر السلام والوئام بين شعوب الأرض، ولن يغير من الأمر شيئًا؛ ما لم تبادر المؤسسات السلطوية الغربية (ذات القوة والنفوذ)، فتستبدل (التسامح السياسي) بتدخلاتها وغيِّها وتحريشها».

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ