كتاب

العمر الافتراضي.. ثمانون عامًا!!

لِي صديقٌ كلَّمَا رأيتُهُ تذكَّرتُ ذلكَ الشَّخصَ الذِي جاءَ فِي إحدَى حلقاتِ مسلسلِ «طاش ما طاش»، وهُو يلاحقُ السدحان؛ ليخبرَهُ بموتِ أصدقائِهِ واحدًا تلوَ الآخرَ بقولِهِ: «مَا دريتْ؟»، «أبو سعود دهستهُ سيَّارةٌ وماتَ، مَا دريتْ؟ صديقُكَ أبومحمد نامَ فِي المستشفَى ومَا قامَ، ما دريتْ؟ أبو علي -اللهُ يرحمُهُ- جاءَهُ مرضٌ وماتَ»، هناكَ فئةٌ فِي المجتمعِ مصابُونَ بمرضِ «متلازمةِ مَا دريتْ؟»، تمثِّل جانبَ السوادِ والظلمةِ فِي الحياةِ، وعندهَا مخزونٌ مِن الطاقةِ السلبيَّةِ التِي تقتلُ التفاؤلَ فِي النُّفوسِ.

من أعراض هذا المرض، ملاحقة الناس بذكر الأخبار السيئة، وأسوأ ما سمعت عن مثل هذه الفئة، من كان يذهب ليزور المرضى في المستشفيات، حاملا معه هدية لكل مريض عبارة عن كفن، هذه الفئة يظن أصحابها أن ما يقومون به من باب التذكير بالآخرة، وغفلوا أن مثل هذا العمل هو مخالف للسنة النبوية، ومن عوائق الحياة، ومؤذ للنفس البشرية، أنَّ الرَّسولَ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يقولُ: «لوْ قَامتِ القيامةُ وَفِي يَدِ أحدِكم فسيلةٌ فليغرسْهَا، ليزرعَ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- التفاؤلَ فِي النُّفوسِ، ويعزِّزَ معنَى البقاءِ والحياةِ.


إنَّ العُمرَ الافتراضيَّ لأيِّ إنسانٍ هُو فيمَا استُنبطَ مِن الدلائلِ القرآنيَّةِ والبيولوجيَّةِ، إنَّما يكونُ ضعفَ الأربعِينَ عامًا، أي ثمانِينَ عامًا، وهذَا الطَّرحُ فيمَا أظنُّ لمْ يسبقنِي إليهِ أحدٌ، وهُو مِن بناتِ أفكارِي، فقدْ يكونُ صحيحًا، وقدْ يكونُ خطأً، وهُو مبنيٌّ علَى أنَّ كلمةَ «أشده» فِي القرآنِ الكريمِ (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) أي أقصَى حدٍّ للعطاءِ الوظيفيِّ لجميعِ أجهزةِ الجسمِ البيولوجيَّةِ هُو أربعُونَ عامًا، فيبقَى أنْ يقابلَ ذلكَ أنَّ النزولَ التدريجيَّ لوظائفِ الأعضاءِ هُو نفسُ الصُّعودِ إلى الأربعِينَ عامًا، فمجملُ العُمرِ الافتراضيِّ يكونُ بالتَّالِي ثمانُونَ عامًا، لَا يدخلُ فِي ذلكَ الأقدارُ وانتهاءُ الآجالِ بالحوادثِ، أو موتِ الفجأةِ، أو أقدارٍ أُخْرَى.

يبقَى أنْ نقولَ إنَّ هذَا العمرَ الافتراضيَّ يزيدُ بمَا قرَّرهُ الشَّرعُ ومَا توصَّلَ إليهِ العلمُ، فالدُّعاءُ، وصِلةُ الرَّحمِ يكونانِ سببًا فِي إطالةِ العُمرِ، والأخذ بأسبابِ أنماطِ الحياةِ مثل جودةِ النَّومِ، ومدَّتهُ، والغذاءُ، والرياضةُ، وبناءُ العلاقاتِ الاجتماعيَّةِ، واستقرارُ النَّواحِي النفسيَّةِ، والتَّغذيةُ الرُّوحيَّةُ السليمةُ ذاتُ المصدرِ الرَّبانيِّ تطيلُ كذلكَ -بإذنِ اللهِ- العُمرَ، وبالتَّالي فإنَّه ليسَ هناكَ إنسانٌ وصلَ الثَّمانِينَ عامًا إلَّا وعندَهُ بدايةُ قصورٍ فِي وظيفةٍ مِن وظائفِ أجهزتِهِ المختلفةِ، كمَا قالَ تعالَى: (اللهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً)، ويظهرُ ذلكَ بضعفِ البصرِ والسَّمعِ، وظهورِ الشَّيبِ والصَّلعِ، وضعفِ أداءِ القلبِ أو الكبدِ أو البروستاتَا وبقيَّة الأعضاءِ، والتفاوتُ فِي ذلكَ بينَ البشرِ يعودُ إلى جودةِ مَا تحملهُ الحقيبةُ الوراثيَّةُ مِن جيناتٍ، وخلوهَا مِن المعطوبةِ منهَا.


صحيحٌ أنَّ هناكَ حديثًا نبويًّا فيمَا يرويه أبوهريرة أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قالَ: «أعمارُ أُمَّتِي مَا بينَ السَّتِين إلى السَّبعِين، وأقلُّهم مَن يجوزُ ذلكَ»، رواهُ الترمذيُّ بسندٍ حَسنٍ، لكنَّ هناكَ فرصةً خاصَّةً كذلكَ بأمَّةِ محمدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- لإطالةِ العُمرِ مرتبطةٌ بالدُّعاءِ، وصِلةِ الرَّحمِ، كمَا وردتْ بذلكَ الأحاديثُ، فإذَا أضفنَا إلَى ذلكَ أنَّ المسلمَ مطالبٌ بالأخذِ بأسبابِ إطالةِ العُمرِ (أنماط الحياةِ المذكورةِ اعلاهُ)، فإنَّ ذلكَ يزيدُ مِن العُمرِ الحقيقيِّ لأُمَّةِ محمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- إلى الثَّمانِينَ عامًا، وعلَى كلٍّ فإنَّ نزولَ المنايَا ومصائب الموتِ لا يحدُّه عُمرٌ، لكنَّ معتركَهَا -أي المنايَا- إنَّما تكونُ فِي آخرِ العُمرِ بينَ السِّتِين والثَّمانِين والسَّعيدُ مَن يختمُ لهُ بخاتمةٍ حَسنةٍ يلقَى فيهَا ربَّهُ وهُو راضٍ عنهُ أيًّا كانَ عُمرهُ.

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ