كتاب
فاكهة الجلسة
تاريخ النشر: 07 مايو 2025 00:14 KSA
حين استيقظتُ فجر الأربعاء الماضي، شعرتُ لوهلة -وأنا لازلتُ على سريري بالفندق- أنَّني أفقتُ من كابوس مزعج، يحاكي وفاة (أبو سلطان)، حتَّى فطنتُ للصقة الجروح التي بكفِّي، وأدركتُ أنَّني أمام حقيقة مُرَّة، لأستعرض أمامي شريط الذكريات القاسية، بداية بتلقِّي خبر موته الصَّاعق، ومعاناتي بكيفيَّة أخبار ابنته (رفيقة عمري)، ومرورًا بالنظرة الأخيرة لوجهه المنير، وجسده الهزيل، الذي أنهكه المرض وهو مسجَّى على النَّعش -قبل أنْ تخر قواي، ويحملني ابني ماجد للطوارئ- وانتهاءً بحالة الحزن الشديدة، التي خيمت كغيمة سوداء مشبعة بالدموع على وجوه الحشود الغفيرة، التي توافدت إلى المقبرة لتشييع الجنازة.
لم يكن أبو سلطان، والد زوجتي فقط، بل قدوتي وصديقي و(فاكهة الجلسة)، والرجال الذي حصد النجاح بامتياز -مع مرتبة الشرف الأولى- في تأدية رسائله بالحياة، سواء الدِّينيَّة، أو الأسريَّة، أو الوظيفيَّة، أو حتَّى الصحوبيَّة، حتى تغلغ حبه في قلوب معارفه، وغدت مكانته في مجتمعه أشبه بعمود الخيمة.
حين زرتُ عمَّتي وزوجتي وأحفاده: بمنزله صباح اليوم التالي، أبلغني أبناؤه (سلطان، وراشد، ونايف)، أنَّنا قبل الذهاب لمقرِّ عزاء الرجال ببيت (العم راشد) سنؤدِّي صلاة الظهر بجامع الحي؛ لتلقي عزاء (جماعة المسجد)، وقد دونت ملامحهم المتدينة قبل ألسنتهم الطَّاهرة شهادة حق فيه، بأنَّه كان إنسانًا خيِّرًا مُصلحًا مواظبًا على أداء فروضه الخمسة.
حين عُدنا لمنزل المرحوم بعد الصلاة: أخذ كلٌّ منا -وفنجان القهوة بارد في يده- يسرد مواقفه العائليَّة معه، حتى أيامه الأخيرة، خاصَّة عندما كان يفيق من بنجه والألم يعتصره، يظل يؤشِّر بيديه يسأل عن مشكلته، ويقدم نصيحته، ويحاول أخفاء ملامح الحزن عن هيئته، لأتيقن حينها عظم حبه وولائه وتضحياته الكبيرة التي قدَّمها لأفراد أسرته.
حين انتقلنا لمقر العزاء ببيت (العم راشد): هالني حقيقة وجود جميع أقاربه طيلة أيام العزاء، ومنذ أوقات مبكرة، رغم مشاغلهم العمليَّة والشخصيَّة، لكنَّهم معروفون بأنَّهم (راعو واجب) مع الغُرب، فكيف مع أبناء العمومة، كما هالتني الجموع الغفيرة للمعزِّين لدرجة أنَّنا ظللنا واقفين نصافحهم من المغرب إلى العشاء وقفة واحدة، وأكثر ما هالني سيرته العطرة لدى الزملاء والمراجعين إبَّان توليه -أكثر من 30 عامًا- منصب وكيل رئيس البلدية بأمانة العاصمة المقدَّسة.
أمَّا أصعب اللحظات التي واجهتها، فكانت -ولا زالت- حين استيقظ فجرًا، وأشعر لوهلة -وأنا لا أزال على سريري- أنني أفقتُ من كابوس مزعج، يحاكي وفاة (أبو سلطان)، حتَّى أفطن للصقة الجروح التي بقلبي، وأدرك أنَّني أمام حقيقة مُرَّة -الله يرحمه ويغفر له- لكنَّ عزائي وما يخفِّف مصابي، هي محبَّة الناس، التي حفرها في قلوبهم، ورسمها على وجوههم: بتدينه، وأبوته، وأمانته، وحكاياته الطريفة، وخفة ظله، والتي ستخلد سيرته وذكراه، وتجعله حاضرًا بيننا كما عرفناه (فاكهة الجلسة).
لم يكن أبو سلطان، والد زوجتي فقط، بل قدوتي وصديقي و(فاكهة الجلسة)، والرجال الذي حصد النجاح بامتياز -مع مرتبة الشرف الأولى- في تأدية رسائله بالحياة، سواء الدِّينيَّة، أو الأسريَّة، أو الوظيفيَّة، أو حتَّى الصحوبيَّة، حتى تغلغ حبه في قلوب معارفه، وغدت مكانته في مجتمعه أشبه بعمود الخيمة.
حين زرتُ عمَّتي وزوجتي وأحفاده: بمنزله صباح اليوم التالي، أبلغني أبناؤه (سلطان، وراشد، ونايف)، أنَّنا قبل الذهاب لمقرِّ عزاء الرجال ببيت (العم راشد) سنؤدِّي صلاة الظهر بجامع الحي؛ لتلقي عزاء (جماعة المسجد)، وقد دونت ملامحهم المتدينة قبل ألسنتهم الطَّاهرة شهادة حق فيه، بأنَّه كان إنسانًا خيِّرًا مُصلحًا مواظبًا على أداء فروضه الخمسة.
حين عُدنا لمنزل المرحوم بعد الصلاة: أخذ كلٌّ منا -وفنجان القهوة بارد في يده- يسرد مواقفه العائليَّة معه، حتى أيامه الأخيرة، خاصَّة عندما كان يفيق من بنجه والألم يعتصره، يظل يؤشِّر بيديه يسأل عن مشكلته، ويقدم نصيحته، ويحاول أخفاء ملامح الحزن عن هيئته، لأتيقن حينها عظم حبه وولائه وتضحياته الكبيرة التي قدَّمها لأفراد أسرته.
حين انتقلنا لمقر العزاء ببيت (العم راشد): هالني حقيقة وجود جميع أقاربه طيلة أيام العزاء، ومنذ أوقات مبكرة، رغم مشاغلهم العمليَّة والشخصيَّة، لكنَّهم معروفون بأنَّهم (راعو واجب) مع الغُرب، فكيف مع أبناء العمومة، كما هالتني الجموع الغفيرة للمعزِّين لدرجة أنَّنا ظللنا واقفين نصافحهم من المغرب إلى العشاء وقفة واحدة، وأكثر ما هالني سيرته العطرة لدى الزملاء والمراجعين إبَّان توليه -أكثر من 30 عامًا- منصب وكيل رئيس البلدية بأمانة العاصمة المقدَّسة.
أمَّا أصعب اللحظات التي واجهتها، فكانت -ولا زالت- حين استيقظ فجرًا، وأشعر لوهلة -وأنا لا أزال على سريري- أنني أفقتُ من كابوس مزعج، يحاكي وفاة (أبو سلطان)، حتَّى أفطن للصقة الجروح التي بقلبي، وأدرك أنَّني أمام حقيقة مُرَّة -الله يرحمه ويغفر له- لكنَّ عزائي وما يخفِّف مصابي، هي محبَّة الناس، التي حفرها في قلوبهم، ورسمها على وجوههم: بتدينه، وأبوته، وأمانته، وحكاياته الطريفة، وخفة ظله، والتي ستخلد سيرته وذكراه، وتجعله حاضرًا بيننا كما عرفناه (فاكهة الجلسة).