كتاب
«عزيزة» في ذمة الله
تاريخ النشر: 13 يوليو 2025 22:03 KSA
ليس شرطًا أنْ نكتب ونذكر دائمًا مَن لهم شأن اجتماعي كبير في حياتنا، أو مَن هم أصحاب الأموال والأعمال، أو الذين لهم شهرة وعلم ووجاهة، بل هناك من الأشخاص -رجال ونساء- مَن هم مغمورون، لكنَّهم يزنُون ثقلهم أخلاقًا وتعاملًا وأدبًا، وبعضهم قمة في عطاءاتهم الحياتية، يستحقون منا الذكر، وأنْ نجعل لهم لسان ذكر بين الناس، ومن أولئك خالة عزيزة الشدوخي، التي كانت تسكن بجوار منزلنا مباشرة في المدينة المنوَّرة، في باب الكومة، في حوش القشاشي، الذي تفصله عن حوش خميس سقيفة، ولذلك يُطلق عليه -أحيانًا- حوش خميس، وكنا في هذا الحوش عشرون عائلةً، هم: بيت الكريِّم، والشدوخي، والمديني، والبسام، والمسند، والتركي، والوقيصي، والبوق، والعليوي، والخاشقجي، وأبوحسان، وفاضل، وأبوسيف، والفرت، والشنقيطي، وشويل، والعلاوي، والمهندس، ومسعد، والانطاكي.
وكان لصيق دارنا بيت الشدوخي التي منهم خالة عزيزة، هذه السيدة التي تنعم بأدب جم، وتعامل راقٍ مع جيرانها، تمنح فرصًا لتعليم الحياة ليس بالدروس والإرشادات والكلام، إنَّما من خلال سيرة ذاتيَّة، حيث تتمتع بالحلم، والأناة، ومراعاة حقوق كلِّ مَن تعرف، ويمتد المعروف والعطاء عندها إلى تعزيز الترابط بين الجيران، محبوبة من الجميع، لا يُعرف لها في الحي حسٌّ سيئٌّ، أو أنَّ أحدًا خصيمٌ لها، أو يعاديها، أو حتى يحمل عليها شيئًا في قلبه، وإذا جاء شهر رمضان تميَّزت من بين كلِّ أهل الحي بعمل شيءٍ من الطَّعام؛ لإهدائه للجيران، ومن بين ذلك السمبوسك التي تميَّزت بها، وكنتُ يومها صغيرًا، فتناديني مع بعض من صغار الحي؛ لكي نقوم بعمل «هنقرستيشن»، وتوصيل ما تقدِّمه من الطَّعام، وتحديدًا قبل المغرب؛ إهداءً منها إلى أحبابها الجيران، وأتذكَّر مديح الجيران لما تقدِّمه من طعام، وكان يُضرب به المثل، وله الصدارة من بين كل ما يطبخه أهل الحي.
وذهبت بنا الأيام والأعوام، وأسمع أخبارها بين الفينة والأُخْرى حتَّى تفاجأتُ قبل ثلاثة أيام من إحدى أخواتي بأنَّها انتقلت إلى رحمة الله، وأنَّ عزيزة في ذمَّة الله، وتمَّت الصَّلاة عليها في فجر يوم الجمعة، لقد رحلت إلى ربها، وأبقت لنا سيرة ذاتية عملية ذات نموذج كيف هي تكون حياة الجيران مع بعضهم بعضًا، ذهبتْ إلى ربِّها وأبقت لنا الأثر: أثر سموِّ الأدب، وقمَّة الأخلاق، وحُسن الجوار، فإلى جنَّات الخُلد ومقعَد الصِّدق عندَ المليكِ المقتدرِ وكلُّ واحدٍ منَّا سوف يرحل إلى ربِّه، ولا يبقى إلَّا الأثر، إضافة إلى ما أخبر عنه النبيُّ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «صَدَقةٍ جَارِيةٍ، وَعِلْمٍ يُنْتَفعُ بِهِ، وَوَلِدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
Prof.skarim@gmail.com
وكان لصيق دارنا بيت الشدوخي التي منهم خالة عزيزة، هذه السيدة التي تنعم بأدب جم، وتعامل راقٍ مع جيرانها، تمنح فرصًا لتعليم الحياة ليس بالدروس والإرشادات والكلام، إنَّما من خلال سيرة ذاتيَّة، حيث تتمتع بالحلم، والأناة، ومراعاة حقوق كلِّ مَن تعرف، ويمتد المعروف والعطاء عندها إلى تعزيز الترابط بين الجيران، محبوبة من الجميع، لا يُعرف لها في الحي حسٌّ سيئٌّ، أو أنَّ أحدًا خصيمٌ لها، أو يعاديها، أو حتى يحمل عليها شيئًا في قلبه، وإذا جاء شهر رمضان تميَّزت من بين كلِّ أهل الحي بعمل شيءٍ من الطَّعام؛ لإهدائه للجيران، ومن بين ذلك السمبوسك التي تميَّزت بها، وكنتُ يومها صغيرًا، فتناديني مع بعض من صغار الحي؛ لكي نقوم بعمل «هنقرستيشن»، وتوصيل ما تقدِّمه من الطَّعام، وتحديدًا قبل المغرب؛ إهداءً منها إلى أحبابها الجيران، وأتذكَّر مديح الجيران لما تقدِّمه من طعام، وكان يُضرب به المثل، وله الصدارة من بين كل ما يطبخه أهل الحي.
وذهبت بنا الأيام والأعوام، وأسمع أخبارها بين الفينة والأُخْرى حتَّى تفاجأتُ قبل ثلاثة أيام من إحدى أخواتي بأنَّها انتقلت إلى رحمة الله، وأنَّ عزيزة في ذمَّة الله، وتمَّت الصَّلاة عليها في فجر يوم الجمعة، لقد رحلت إلى ربها، وأبقت لنا سيرة ذاتية عملية ذات نموذج كيف هي تكون حياة الجيران مع بعضهم بعضًا، ذهبتْ إلى ربِّها وأبقت لنا الأثر: أثر سموِّ الأدب، وقمَّة الأخلاق، وحُسن الجوار، فإلى جنَّات الخُلد ومقعَد الصِّدق عندَ المليكِ المقتدرِ وكلُّ واحدٍ منَّا سوف يرحل إلى ربِّه، ولا يبقى إلَّا الأثر، إضافة إلى ما أخبر عنه النبيُّ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «صَدَقةٍ جَارِيةٍ، وَعِلْمٍ يُنْتَفعُ بِهِ، وَوَلِدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
Prof.skarim@gmail.com