كتاب

عظام منسية

في صيف عام 79 قبل الميلاد، أي قبل أكثر من ٢٠٠٠ عام، انفجر بركان فيزوف في إيطاليا بعنف، مطلقًا أعمدةً من الرَّماد، مع انهيارات حارة من الفتات البركانيِّ، والغازات في اتجاه مدينة هيركولانيوم، والتي كانت تعجُّ بالحياة والتجارة والثروات البحريَّة. فبينما أصبحت بومبي رمزًا للكارثة، بقيت هيركولانيوم تحمل سرًّا مظلمًا لقرون عديدة. عظام أكثر من 300 إنسان اكتُشفت في الثمانينيَّات والتسعينيَّات على الشاطئ القديم داخل ما يُعرف بـ«بيوت القوارب». هذه العظام ليست مجرَّد بقايا، بل صرخات صامتة، وشهادات على لحظات الرُّعب الأخيرة.

حين بدأ البركان في الثَّوران، ركض النَّاس إلى الشاطئ حاملين مجوهراتهم وأطفالهم، يظنُّون أنَّ البحر سيكون ملاذهم الآمن. المدينة كانت عامرةً بالأثرياء والتجَّار الذين يحملون أشياءهم الثَّمينة، ويحاولون النَّجاة. لكن الشاطئ تحوَّل إلى فخ قاتل؛ إذ بلغت حرارة التدفُّقات البركانيَّة مئات الدرجات في حدود ٥٠٠ درجة مئويَّة، فأدَّت إلى «تبخُّر سريع للسَّوائل الجسديَّة» وانقباض العضلات، فتجمَّد الضحايا في أوضاعهم الأخيرة: بعضهم يحتضن أطفاله، وآخرُون يغطُّون وجوههم في خوف شديد.


واحدٌ من أكثر المشاهد تأثيرًا، هي تلك المرأة والتي أطلق عليها سيِّدة الخاتم، والتي تم العثور عليها في وضعيَّة تبدو وكأنَّها تحمي وجهها بيدها، محاطة بمجوهراتها التي لم تتمكَّن من تركها خلفها؛ ممَّا يعكس الرُّعب واليأس في لحظات حياتها الأخيرة. وهذه السيِّدة تعرَّضت وبقيَّة مَن كان معها في الأقبية لهذا لفتات البركانيِّ الشَّديد الحرارة؛ ممَّا أدَّى إلى غليان دماغها، وتبخُّر سوائل جسمها فورًا.

قبل الكارثة، عاش سكَّان هيركولانيوم حيان مزدهرة: مأكولات بحريَّة، حبوب، فواكه وخضراوات، تجارة وثروة، ومجتمع متقدِّم يرتبط بالبحر. إلَّا أنَّ كلَّ ذلك لم يحْمِهم عندما ثار البركان. العظام المنسيَّة تكشف حياتهم اليوميَّة، والتباين الغذائي، وكذلك أمراضًا بسيطة مثل التهاب المفاصل.


اليوم، لو وقفت من بعيد، لرأيت أطلال هيركولانيوم، وفوقها بُنيت مدينة حديثة هي إركولانو، عامرةً بالحياة. وهذه سُنَّة الله في خلقه، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) سورة إبراهيم. فالحياة تستمر، نحن ننسى سريعًا، لكنَّ الأرض لا تنسَى. صرخات أولئك الذين هلكوا لا تزال مكتومة بين الطبقات، تهمس لنا أنَّ الحياة فانية، وأنَّ لكل إنسان أجلًا، وأنَّه لا شيء فوق قدرة الله.

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ