كتاب

حين تتقدم الفيروسات.. وتتأخر التوعية!

في كلِّ موسمٍ صحيٍّ، تتبدَّل فيه الأجواء، تظهر تفاصيل بسيطة في ظاهرها، لكنَّها تكشف فجواتٍ لا يشعر بها كثيرُونَ إلَّا عند الاحتكاك المباشر بالخدمة، وخلال الأسابيع الماضية، برزت أمامي مواقف مختلفة -بعضها من تجارب شخصيَّة، وأُخْرى من روايات موثوقة- يجمعها أنَّ المسافة بين المريض، والمعلومة الصحيَّة ما زالت أطولَ ممَّا ينبغي.

أحد المتقاعدِينَ -في تجربة لا تبدو فرديَّةً- حدَّثني عن بحثه الممتد، للحصول على موعدٍ طبيٍّ قريبٍ، وانتقاله بين أكثر من مركز، قبل أنْ يجد إجابةً تطمئنه. ورغم الجهود الكبيرة التي قطعتها المنظومة الصحيَّة، فإنَّ مثل هذه التجارب تتكرَّر غالبًا عند ارتفاع موجات الفيروسات، خاصَّةً حين تتسارع الأعراض على نحو يفوق استعداد بعض المنشآت الصغيرة.


ومع موجة الانتشار الحاليَّة، برزت ملحوظات حول طريقة تعامل بعض المستوصفات الخاصَّة في عدد من المناطق مع الحالات التي تستقبلها. فهناك مرضى يخرجُونَ بوصفات دوائيَّة قبل إجراء فحص عمليٍّ، أو تحليل مخبريٍّ، وكأنَّ التشخيص مرحلة يمكن تجاوزها! هذا النمط -وإنْ كان محدودًا- يطرح تساؤلًا حول أهميَّة التَّشخيص السَّليم في مواسم ترتفع فيها معدَّلات الإصابة، وتزداد خلالها حالات المراجعِينَ.

وفي ظلِّ هذا المشهد، يظهر سؤال متكرِّر عن دور التَّوعية الصحيَّة. فالتَّوعية ليست إعلانًا سريعًا، ولا ورقةً تُرسل إلى أولياء الأمور بخصوص حملات التَّطعيم، ثمَّ لا تُنفَّذ، أو تُؤجَّل دون توضيح، وبعض المدارس تُعلن عن تطعيمات، بينما لا يتم تطبيقها في الوقت المحدَّد؛ ممَّا يجعل المعلومة الصحيَّة عرضةً للتَّشتُّت، ويُضعف أثر الجهود المبذولة على الأرض. التَّوعية الحقيقيَّة فعلٌ مستمرٌّ يتقاطع مع سلوك النَّاس اليومي، ويأخذ في الاعتبار مواسم مكتظَّة تستقبل ملايين الزوَّار سنويًّا.


ولا يتعلَّق الأمر بنقص الجهد، فالجميع يعمل، لكنَّ فعاليَّة وصول المعلومة هي ما يصنع الفارق. فالإعلان عن حملة، لا يكفي ما لم تُطبَّق، والرسالة التي لا تواكبها خُطوات واضحة تفقد قيمتها، خصوصًا في المواسم التي تتقدَّم فيها الفيروسات بسرعة أكبر من قدرة بعض المنشآت على الاستيعاب.

وكثيرًا ما يتعامل النَّاس مع هذه الفترات، بوصفها أحداثًا عابرةً من تقلُّبات المواسم، لكن خلف هذا الشعور الهادئ تظهر حقيقة أنَّ المعلومة الصحيَّة لا تصل دائمًا في وقتها المناسب! وفي مواسم تتسارع فيها العَدَوى، كان من الممكن أنْ تسهم التَّوعية المبكِّرة في تقليل المراجعات الطارئة، وتخفيف الضَّغط على المرافق الصحيَّة، لو وصلت الرسالة قبل الموجة لا بعدها.

في النهاية، فإنَّ تعزيز التَّوعية الصحيَّة ليس رفاهيةً، بل خط دفاع أوَّل يسبق العلاج، ويقلِّل الضَّغط على المرافق الصحيَّة. وكلَّما وصلت المعلومة في وقتها الصَّحيح، ازدادت قدرة المجتمع على التَّعامل مع أيِّ موجة جديدة، خصوصًا في بلد يرتاده الزوَّار على مدار العام.

* نقطة تحت السطر:

هل تستطيعُ التَّوعية الصحيَّة أنْ تنتقلَ من دورِ «الإعلانِ» إلى دورِ «الحضورِ» في حياةِ النَّاس؟

أخبار ذات صلة

كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
;
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟
فصل الموظف.. هو آخر الحلول
;
ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!