كتاب

حوارات الطريف: تأسيس لا تعريب

حوارات الطريف: تأسيس لا تعريب
لم أكتب بالعربيَّة منذ سنوات. لم يكن ذلك هجرًا للُّغة، بل انشغالًا بلغةٍ أُخْرى: لغة المؤسَّسات، والمفاوضات، والوساطة الدوليَّة -حيث تُوزن الجُمَل بما تُنتج، لا بما تُطرِّز. لكن حين عدتُ إلى المملكة، اكتشفتُ أنَّ العودة ليست إلى المكان وحده، بل إلى الصَّوت- وكأنَّ العربيَّة، في أزمنة التحوُّل، ليست زينة مقال؛ بل أداة تأسيس.

قبل أسبوعين، كنتُ في الدرعيَّة -وبالذَّات في الطريف- لا يلاحقك الماضي بوصفه حنينًا، بل يواجهك بوصفه منهجًا: كيف يُدَار الاختلاف في الجزيرة العربيَّة حتَّى يصير قاعدةً، وكيف تتحوَّل السلطة إلى مؤسَّسات، وكيف تُبنَى الشرعيَّة بوصفها انضباطًا قبل أنْ تكون شعارًا.


رافقتنا في تلك الزيارة طبيبةٌ يابانيَّةٌ مسنًّةٌ، قارئةٌ للتاريخ، بلا عصا سيلفي، ولا شغف باللَّقطة. كانت تحمل دفترًا صغيرًا، وسؤالًا كبيرًا. قالت بهدوءٍ يُحرجك: «أنا لستُ هنا للصور... أنا هنا للمؤسِّس». وحين وقفنا أمام صورة المؤسِّس، انحنت له انحناءةً يابانيَّةً تحيَّةً للبداية. ثمَّ -وكأنَّها تضع ختمًا نهائيًّا على الرحلة- أصرَّت أنْ نزورَ مقبرةَ العود!

هنا يعترفُ الكاتبُ أنَّه ابتسم في داخله من المفارقة الثقافيَّة. زيارةُ المقابر عندنا لها ما لها، وعليها ما عليها، وعند كثيرِينَ موضوعٌ جدليٌّ؛ بينما كانت عندها جزءًا من المنهج. لم تكن زيارةً عاطفيَّةً بقدر ما كانت، محكمة استئناف للتاريخ. كأنَّها تقول: لا أفهمُ الأمم من ضجيجها اليوميِّ، أفهمها من بداياتها.


تذكَّرتُ تقاعدي من تدريس القانون الدوليِّ في المملكة المتحدة، وكيف ظننتُ أنَّ نهاية المسار ستكون انتصارًا هادئًا. لم أتوقَّع أنْ أرى القانون الدوليَّ نفسه -الذي علَّمناه ورافعنا في ظلاله- يتصرَّف كآلةٍ فقدت دليل التَّشغيل: قواعد كثيرة، وثقة أقل، خطاب أكثر، ونتائج أقل. ليست المشكلة أنَّ العالم «أقل أخلاقًا»، بل إنَّ شرعيته المؤسسيَّة تتآكل.

وفي الوقت نفسه، ندخل عصرًا جديدًا: انتقالًا إلى اقتصاد المعرفة، حيث القوَّة ليست فقط في المصنع والسِّلاح، بل في معيار المعرفة: البيانات، النماذج، وترسانة الذكاء الاصطناعي (AI Stack)، المناخ، انتقال الطاقة، والأصول الرقميَّة غير الماديَّة. وبين صراعات الشمال والجنوب، والشرق والغرب، يتأكَّد درسٌ بسيطٌ: حين تتعطَّل المؤسَّسات، لا يكفي وصف الانهيار... نحتاج أنْ نعود إلى لحظة التَّأسيس لنعرف كيف يُصنَع النظام.

هذه ليست مبادرةً فكريَّةً مثيلةً لدافوس.

إنَّها قراءةٌ من الطريف: محاولة لإلهام العالم بروحٍ عربيَّةٍ في التأسيس - روحٌ تفتح الأفق، لا تكتفي بوصف الانهيار.

نشكر المدينة، وعلى ساكنها أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ.

بسم الله نبدأ.

الضبطُ يبدأ في الطريف... وفي العالمِ يُختَبَر.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة