كتاب
من الإفراط إلى المسؤولية
تاريخ النشر: 20 يناير 2026 22:29 KSA
لم يعد الخطرُ الأكبرُ على النِّظام الدوليِّ هو غياب القواعد، بل الإفراط في خرقِهَا.
حين يصبحُ استخدامُ القوَّة قاعدةً لا استثناء، وحين تُطبَّق المعاييرُ انتقائيًّا، لا ينهارُ القانونُ الدوليُّ دفعةً واحدةً، بل تتآكل ببطء سيادةُ القانونِ العالميِّ ذاتها، إلى أنْ يفقد الجميعُ الثقة في قدرته على الحماية.
في القانون، نعرفُ هذه اللَّحظة جيدًا. نسمِّيها فقدان التَّناسب، وإساءة استعمال السُّلطة، وسقوط الشرعيَّة.
وهي ليست مفاهيم نظريَّة، بل مؤشِّرات دقيقة على أنَّ النِّظام لم يعد يؤدِّي وظيفته الأساسيَّة: منع الأقوى من فرض إرادته باسم العدالة.
قال لي راهبٌ بوذيٌّ، صاحبُ شريعةِ الصَّمت، حين كنَّا في دائرةٍ قرب تشيانغ ماي، زوهو يتأمَّل حال الرَّجلِ البرتقاليِّ، ببساطةٍ أربكتنِي:
He is too much - and too much is too much!
لم يكنْ يتحدَّث عن سياسة، بل عن ميزانٍ حين يختلُّ.
هذه البساطة هي ما نفتقدُه اليوم.
فالإفراطُ -في القصفِ، في العقابِ، في الخطابِ-
ليس حزمًا، بل علامةٌ على غياب الضَّبط.
ولهذا، لم يعد العالم بحاجة إلى مزيد من المبادرات، بل إلى مبدأ ناظم يُعيد ترتيب سيادة القانونِ الدوليِّ والسلوك الدولي معًا.
ذلك المبدأ هو المسؤوليَّة. المسؤوليَّة لا تعنِي الحيادَ، ولا التواطؤَ، ولا الصَّمتَ.
تعني أنَّ القوَّة تُمارَس ضمن حدود، وأنَّ العدالةَ لا تُفرَض من طرفٍ واحدٍ، وأنَّ القانونَ ليس أداةً في يد الأقوَى، بل هو عقدٌ تحالفيٌّ يحمِي الجميعَ.
من هنا، تكتسب التحرُّكات الأخيرة معناها الحقيقيَّ.
حين دشَّنت المملكةُ العربيَّة السعوديَّة، وفرنسا، مسارًا لمبادرة حلِّ الدَّولتَينِ، أسرَ خيالَ العالم بإعادة الاعتبار لسيادةِ القانون، وأضفَى على الجمعيَّة العامَّة رونقًا دافعًا، ومعنًى متجدِّدًا، لم يكن ذلك إعادة تدوير لفكرةٍ قديمةٍ، بل محاولةٌ جادَّةً لاستعادةِ القاعدة: أنَّ السَّلام عمليَّة قانونيَّة طويلة النَّفس، لا صفقة سياسيَّة عابرة.
واليوم، مع بروز دعواتٍ إلى حلفٍ للمسؤوليَّة يهدف إلى إعادة الثِّقة في سيادة القانونِ العالميِّ، وتشارك فيه دول من الجنوب والشمال، يتَّضح أنَّ العالم لا يبحثُ عن قيادةٍ ترفعُ الصوت، بل عن قيادةٍ ذات عمقٍ حضاريٍّ تُحسن ضبط الإيقاعِ.
في زمن الإفراطِ، الريادة ليست في الهيمنةِ، بل في الميزانِ الذي ستُصاغ به الرُّؤية المستقبليَّة للنظام الدوليِّ الجديد.
الضبطُ يبدأ في الطريف...وفي العالم يُختبَر.
حين يصبحُ استخدامُ القوَّة قاعدةً لا استثناء، وحين تُطبَّق المعاييرُ انتقائيًّا، لا ينهارُ القانونُ الدوليُّ دفعةً واحدةً، بل تتآكل ببطء سيادةُ القانونِ العالميِّ ذاتها، إلى أنْ يفقد الجميعُ الثقة في قدرته على الحماية.
في القانون، نعرفُ هذه اللَّحظة جيدًا. نسمِّيها فقدان التَّناسب، وإساءة استعمال السُّلطة، وسقوط الشرعيَّة.
وهي ليست مفاهيم نظريَّة، بل مؤشِّرات دقيقة على أنَّ النِّظام لم يعد يؤدِّي وظيفته الأساسيَّة: منع الأقوى من فرض إرادته باسم العدالة.
قال لي راهبٌ بوذيٌّ، صاحبُ شريعةِ الصَّمت، حين كنَّا في دائرةٍ قرب تشيانغ ماي، زوهو يتأمَّل حال الرَّجلِ البرتقاليِّ، ببساطةٍ أربكتنِي:
He is too much - and too much is too much!
لم يكنْ يتحدَّث عن سياسة، بل عن ميزانٍ حين يختلُّ.
هذه البساطة هي ما نفتقدُه اليوم.
فالإفراطُ -في القصفِ، في العقابِ، في الخطابِ-
ليس حزمًا، بل علامةٌ على غياب الضَّبط.
ولهذا، لم يعد العالم بحاجة إلى مزيد من المبادرات، بل إلى مبدأ ناظم يُعيد ترتيب سيادة القانونِ الدوليِّ والسلوك الدولي معًا.
ذلك المبدأ هو المسؤوليَّة. المسؤوليَّة لا تعنِي الحيادَ، ولا التواطؤَ، ولا الصَّمتَ.
تعني أنَّ القوَّة تُمارَس ضمن حدود، وأنَّ العدالةَ لا تُفرَض من طرفٍ واحدٍ، وأنَّ القانونَ ليس أداةً في يد الأقوَى، بل هو عقدٌ تحالفيٌّ يحمِي الجميعَ.
من هنا، تكتسب التحرُّكات الأخيرة معناها الحقيقيَّ.
حين دشَّنت المملكةُ العربيَّة السعوديَّة، وفرنسا، مسارًا لمبادرة حلِّ الدَّولتَينِ، أسرَ خيالَ العالم بإعادة الاعتبار لسيادةِ القانون، وأضفَى على الجمعيَّة العامَّة رونقًا دافعًا، ومعنًى متجدِّدًا، لم يكن ذلك إعادة تدوير لفكرةٍ قديمةٍ، بل محاولةٌ جادَّةً لاستعادةِ القاعدة: أنَّ السَّلام عمليَّة قانونيَّة طويلة النَّفس، لا صفقة سياسيَّة عابرة.
واليوم، مع بروز دعواتٍ إلى حلفٍ للمسؤوليَّة يهدف إلى إعادة الثِّقة في سيادة القانونِ العالميِّ، وتشارك فيه دول من الجنوب والشمال، يتَّضح أنَّ العالم لا يبحثُ عن قيادةٍ ترفعُ الصوت، بل عن قيادةٍ ذات عمقٍ حضاريٍّ تُحسن ضبط الإيقاعِ.
في زمن الإفراطِ، الريادة ليست في الهيمنةِ، بل في الميزانِ الذي ستُصاغ به الرُّؤية المستقبليَّة للنظام الدوليِّ الجديد.
الضبطُ يبدأ في الطريف...وفي العالم يُختبَر.