كتاب
القائدة التي عجزت الليبرالية الغربية عن تمكينها
تاريخ النشر: 03 فبراير 2026 23:42 KSA
نكَّست كندا أعلامَهَا لقائدةٍ لم تتعلَّم الصَّحافة العالميَّة كيف تُعرِّفها على وجه الدقَّة، لكنَّ البلاد شعرت بغيابها فورًا. لم يكن رحيلُ كيرستي دنكن (Kirsty Duncan) في السادس والعشرين من يناير 2026، بعدَ صراعٍ طويلٍ مع السَّرطان، حدثًا سياسيًّا دراميًّا، بل جاء بوصفهِ نقطة انعطافٍ هادئةٍ بعد ستة أيامٍ فقط من إعلان رئيس الوزراء الكنديِّ، من دافوس، أنَّ العالم دخل مرحلة «تمزُّق، لا انتقال».
البروفيسورة دنكن -نائبةُ زعيمةِ الحكومةِ في مجلس العموم سابقًا، والوزيرة العالِمة، وعضو الهيئةِ الحكوميَّة الدوليَّة المعنيَّة بتغيُّر المناخ (IPCC) الحائزة جائزة نوبل للسَّلام عام 2007- جسَّدت أفضل ما كانت الليبراليَّة في أمريكا الشماليَّة تزعم أنّها تؤمن به، من دون أنْ تُمنح يومًا التفويض الكامل لحمله إلى الأمام. كعالِمة جغرافيا طبيَّة ومرجعيَّة مبكِّرة في دراسات الجوائح، أدركتْ قبل أنْ يصبح ذلك شائعًا أنَّ الصحَّة العامَّة، وتغيُّر المناخ، والثِّقة المؤسسيَّة ليست ملفَّاتٍ متجاورةً، بل مسألة واحدة: كيفيَّة حُكم الأنظمة المعقّدة.
بعد أوباما، عجزت الليبراليَّة في أمريكا الشماليَّة عن تخيُّل قيادة فعَّالة.
انكمش خيالها في مساحة ضيِّقة بين إدارة حذرة، وتمثيل رمزيٍّ، بين طمأنة أخلاقيَّة، وراحة إجرائيَّة. وفي هذا الانكماش، ضاع نموذج دنكن: صانعة سياسات علميَّة جمعت بين الصرامة المعرفيَّة، وما كان يُعرف يومًا بـ«نهج الإشراق» لا بوصفه طبعًا شخصيًّا، بل فلسفة حُكم تقومُ على الشفافيَّة، والتَّعاطف، والجدِّيَّة الأخلاقيَّة. غيرَ أنَّ هذا النهج اصطدم ببنى بيروقراطيَّة تنفِّر من الإصلاح حين يفرض كلفة أخلاقيَّة حقيقيَّة.
لم تكن دنكن راديكاليَّةً، ولا ساذجةً. كانت تؤمنُ بأن المؤسسات يمكن إصلاحها من الدَّاخل إذا توفَّرت الإرادة. واجهت التواطؤ الصَّامت داخل حزبها بالهدوء ذاته الذي واجهت به التطرُّف خارجه. وسؤالها الذي كانت تطرحه بهدوء على المقرَّبين، حتى في ذروة المرض -كيف تُمسك ديكتاتورًا؟- لم يكن سؤالًا بلاغيًّا، بل تشخيصًا دقيقًا. فقد أدركت أنَّ الانتكاسة المقبلة ليست دوريَّةً، بل بنيويَّة: عقدًا كاملًا، وربما جيلًا، تتراجع خلاله قدرة المؤسَّسات على إنفاذ القواعد، لا لغياب القواعد، بل لتآكل الأنظمة التي يُفترض أنْ تسندها.
إعلان «التمزُّق» لم يصنع هذا الواقع؛ بل سمَّاه. ومعه انتهت مرحلة «الإصلاح من الداخل».
ولم يعد السؤال اليوم كيف نُنقذُ الليبراليَّة بوصفها أيديولوجيا؟ بل كيف نُديرُ الأنظمة المعقَّدة من مناخ وتكنولوجيا ورعاية صحيَّة في عالمٍ متشظٍّ لم يعد ينتظر حلولًا كونيَّة.
في هذا السياق، برز مفهوم الهندسة المتغيِّرة (Variable Geometry) بوصفهِ منطقًا عمليًّا لما بعد التمزُّق: تحالفات مرنة ومحدَّدة بحسب المجال، وتنظيم حيثما بقي التنظيم ممكنًا، وتعاون يقوم على الوظائف لا على الولاءات الثابتة. ليست قطيعة مع سيادة القانون، بل انتقال من الخطاب الأخلاقيِّ إلى القدرة المؤسسيَّة إنفاذ ما يمكن إنفاذه حين لم تعد الأطر الشاملة قابلةً للحياة. برحيل دنكن، لم يخسر الغرب زعيمة، بل نُكِّس المنهجُ العلميُّ التفاؤليُّ بوصفهِ قيمةً حاكمةً في الديمقراطيَّة الليبراليَّة الغربيَّة.
الضبط يبدأ في الطريف... وفي العالم يُختَبَر.
* هامش توضيحي (تعليمي):
الهندسة المتغيِّرة – Variable Geometry: مصطلح يُستخدم في القانون والعلاقات الدوليَّة لوصف نهجٍ يقوم على بناء تحالفات وأُطر تنظيميَّة مختلفة، بحسب المجال (المناخ، الصحَّة، التكنولوجيا، التجارة)، بدل السَّعي إلى نظامٍ شامل، أو إجماعٍ كونيٍّ. ظهر هذا النهج في التجربة الأوروبيَّة كاستجابةٍ لعجز النظم الجامعة عن الاستمرار، ويُعاد اليوم طرحه كوسيلةٍ للحفاظ على قابليَّة التنظيم والإنفاذ في عالمٍ متشظٍّ، حيث لم تعد الحلول الكليَّة ممكنةً.
البروفيسورة دنكن -نائبةُ زعيمةِ الحكومةِ في مجلس العموم سابقًا، والوزيرة العالِمة، وعضو الهيئةِ الحكوميَّة الدوليَّة المعنيَّة بتغيُّر المناخ (IPCC) الحائزة جائزة نوبل للسَّلام عام 2007- جسَّدت أفضل ما كانت الليبراليَّة في أمريكا الشماليَّة تزعم أنّها تؤمن به، من دون أنْ تُمنح يومًا التفويض الكامل لحمله إلى الأمام. كعالِمة جغرافيا طبيَّة ومرجعيَّة مبكِّرة في دراسات الجوائح، أدركتْ قبل أنْ يصبح ذلك شائعًا أنَّ الصحَّة العامَّة، وتغيُّر المناخ، والثِّقة المؤسسيَّة ليست ملفَّاتٍ متجاورةً، بل مسألة واحدة: كيفيَّة حُكم الأنظمة المعقّدة.
بعد أوباما، عجزت الليبراليَّة في أمريكا الشماليَّة عن تخيُّل قيادة فعَّالة.
انكمش خيالها في مساحة ضيِّقة بين إدارة حذرة، وتمثيل رمزيٍّ، بين طمأنة أخلاقيَّة، وراحة إجرائيَّة. وفي هذا الانكماش، ضاع نموذج دنكن: صانعة سياسات علميَّة جمعت بين الصرامة المعرفيَّة، وما كان يُعرف يومًا بـ«نهج الإشراق» لا بوصفه طبعًا شخصيًّا، بل فلسفة حُكم تقومُ على الشفافيَّة، والتَّعاطف، والجدِّيَّة الأخلاقيَّة. غيرَ أنَّ هذا النهج اصطدم ببنى بيروقراطيَّة تنفِّر من الإصلاح حين يفرض كلفة أخلاقيَّة حقيقيَّة.
لم تكن دنكن راديكاليَّةً، ولا ساذجةً. كانت تؤمنُ بأن المؤسسات يمكن إصلاحها من الدَّاخل إذا توفَّرت الإرادة. واجهت التواطؤ الصَّامت داخل حزبها بالهدوء ذاته الذي واجهت به التطرُّف خارجه. وسؤالها الذي كانت تطرحه بهدوء على المقرَّبين، حتى في ذروة المرض -كيف تُمسك ديكتاتورًا؟- لم يكن سؤالًا بلاغيًّا، بل تشخيصًا دقيقًا. فقد أدركت أنَّ الانتكاسة المقبلة ليست دوريَّةً، بل بنيويَّة: عقدًا كاملًا، وربما جيلًا، تتراجع خلاله قدرة المؤسَّسات على إنفاذ القواعد، لا لغياب القواعد، بل لتآكل الأنظمة التي يُفترض أنْ تسندها.
إعلان «التمزُّق» لم يصنع هذا الواقع؛ بل سمَّاه. ومعه انتهت مرحلة «الإصلاح من الداخل».
ولم يعد السؤال اليوم كيف نُنقذُ الليبراليَّة بوصفها أيديولوجيا؟ بل كيف نُديرُ الأنظمة المعقَّدة من مناخ وتكنولوجيا ورعاية صحيَّة في عالمٍ متشظٍّ لم يعد ينتظر حلولًا كونيَّة.
في هذا السياق، برز مفهوم الهندسة المتغيِّرة (Variable Geometry) بوصفهِ منطقًا عمليًّا لما بعد التمزُّق: تحالفات مرنة ومحدَّدة بحسب المجال، وتنظيم حيثما بقي التنظيم ممكنًا، وتعاون يقوم على الوظائف لا على الولاءات الثابتة. ليست قطيعة مع سيادة القانون، بل انتقال من الخطاب الأخلاقيِّ إلى القدرة المؤسسيَّة إنفاذ ما يمكن إنفاذه حين لم تعد الأطر الشاملة قابلةً للحياة. برحيل دنكن، لم يخسر الغرب زعيمة، بل نُكِّس المنهجُ العلميُّ التفاؤليُّ بوصفهِ قيمةً حاكمةً في الديمقراطيَّة الليبراليَّة الغربيَّة.
الضبط يبدأ في الطريف... وفي العالم يُختَبَر.
* هامش توضيحي (تعليمي):
الهندسة المتغيِّرة – Variable Geometry: مصطلح يُستخدم في القانون والعلاقات الدوليَّة لوصف نهجٍ يقوم على بناء تحالفات وأُطر تنظيميَّة مختلفة، بحسب المجال (المناخ، الصحَّة، التكنولوجيا، التجارة)، بدل السَّعي إلى نظامٍ شامل، أو إجماعٍ كونيٍّ. ظهر هذا النهج في التجربة الأوروبيَّة كاستجابةٍ لعجز النظم الجامعة عن الاستمرار، ويُعاد اليوم طرحه كوسيلةٍ للحفاظ على قابليَّة التنظيم والإنفاذ في عالمٍ متشظٍّ، حيث لم تعد الحلول الكليَّة ممكنةً.