كتاب

يوم التأسيس وسيادة الإنسان العربي

يتزامنُ يوم التَّأسيس هذا العام مع رمضان، فيلتقي زمنُ الدَّولة بزمنِ الميزان.

وهنا تستعيدُ المناسبة قيمتها الحقيقيَّة، لا كاحتفالٍ فقط، بل كتذكيرٍ بسؤالٍ أعمقَ: ما الفكرة التي قامت عليها الدَّولة؟ وما الرسالة التي يمكن أنْ تحملها اليوم؟


السَّرديَّة الرسميَّة واضحة. 1727 هو بدء التَّأسيس، و1932 هو اكتمالُ التَّوحيد الحديث. وهذا ليس فرقًا بين تاريخَين فحسب، بل هو الفرق بين بناء العَصَب، وبناء الجَسَد، بين ولادة الفكرة الجامعة، واكتمال صورتها المؤسَّسيَّة. ولهذا يُقدَّم يوم التَّأسيس؛ بوصفه عُمقًا تاريخيًّا وحضاريًّا، لا مجرَّد ذكرى سنويَّة.

وهنا يجيءُ كلامُ خادم الحرمين الشَّريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حين كان أميرًا للرِّياض، في لقاء «الدَّعوة.. آل سعود.. دعوةٌ ودولةٌ» عام 2007، كأنَّه جسرٌ بين الماضي والمستقبل: «هذه الدَّولة دولةُ دعوةٍ منذُ تأسيسِهَا». بهذه الجملة، ينتقل فهم الدَّولة من الغلبة إلى المعنى. فهي لم تقم على عصبيَّةٍ قبليَّةٍ أو إقليميَّةٍ، بل على فكرةٍ جامعةٍ تُحسن جمع النَّاس، وتنظيم العمرَان. وما أثبتته السَّنوات أنَّ هذا المعنى لم يكن انغلاقًا مذهبيًّا ضيِّقًا، بل كان مشروعًا حضاريًّا يتَّسع للتَّوحيد، والعدل، وجمع الشَّتَات.


بهذا المعنى، لم يكن التَّأسيس مجرَّد قيام سُلطة، بل كان شدًّا لأركان البادية؛ تحوَّل فيه التَّفرُّق إلى نظامٍ، والعصبيَّة إلى ميزانٍ، والجغرافيا إلى مسؤوليَّةٍ. ومن هنا تستحقُّ التجربةُ السعوديَّةُ أنْ تُقرَأ بهدوءٍ وثقةٍ بوصفها تجربةً جديرةً بالدَّرس. إنَّها دولةٌ لا تنقضُ الدَّولةَ الوطنيَّة الحديثة، لكنَّها تُهذِّبُها من الدَّاخل، وتمنحُها رُوحًا أوسعَ من صورتها الوستفاليَّة الجامدة.

وهنا أيضًا يظهر معنى القوَّة المتوسطة (Middle Power) كما ينبغي أنْ يُفهَم. لا قوَّة هيمنة، ولا قوَّة هامش، بل هي قوَّةُ ربطٍ وميزانٍ، تجمع الأطراف حين يتعب العالم من الاستقطاب.

ومن هذا الباب، يمكن أنْ نستعيد معنى Arabia Felix، أي العربيَّة السَّعيدة، لا كاسمٍ قديم فحسب، بل كبشارةٍ أعمقَ: أنَّ الجزيرة لم تكن صحراءَ فقط، بل كانت قدرةً متجدِّدةً على إنتاج المعنى حين يضيقُ الأفق. والمقصود هنا ليس رفاهًا ماديًّا فقط، بل استعادة توازنٍ أعمقَ، حيث يجد الإنسان العربيُّ في دولته صِلةً بين القيمة والمعنى من جهةٍ، وبين القانون والتَّقنية من جهةٍ أُخْرى. والمصطلح، تاريخيًّا، استُخدم عند القدماء للجزء الجنوبيِّ، أو الجنوبيِّ الغربيِّ من الجزيرة، لكن استعادته هنا تأتي على سبيل الإشارة الحضاريَّة، لا التحديد الجغرافي.

ولعلَّ شهر القرآن هذا العام، يحملُ بشارةً أُخْرى، بأنْ يبدأ حديث السِّيادة الإنسانيَّة من هنا، من سيادة الإنسان العربيِّ داخل دَولةٍ قويَّةٍ، وقانونٍ حاضرٍ، وتقنيةٍ تخدم الإنسان، ولا تختزله. وكما أعطت دولةُ المدينةِ الإنسانَ معنًى ورسالةً، يبقى التحدِّي أنْ نحفظ هذا المعنى ونحنُ نعبر إلى زمنٍ جديدٍ، لا تُقَاس فيه الدُّول بمواردها فحسب، بل بمدَى حمايتها لجوهر دعوتها الإنسانيَّة.

في الطريف، نحنُ لا نحتفلُ بالتَّأسيس فقط، بل نجدِّد معنى النَّموذج.

الضبطُ يبدأ في الطريف... وفي العالم يُختَبَر.

هامش توضيحي/ تعليمي

الدَّولة الوستفاليَّة: هي النموذجُ الأوروبيُّ الحديثُ للدولة ذات السِّيادة الإقليميَّة الواضحة، المرتبط تاريخيًّا بتسويات صُلح وستفاليا (1648)، حيث ترسِّخ مبدأ السِّيادة على الإقليم، وعدم التدخل بوصفه قاعدةً في تنظيم العلاقات بين الدُّول. واستخدام المصطلح هنا ليس رفضًا للدَّولة الوطنيَّة، بل إشارة إلى أنَّ بعض التجارب، ومنها التجربة السعوديَّة، طوَّرت هذا النموذج من الداخل، بإضافة عمقٍ حضاريٍّ ووظيفةٍ اجتماعيَّةٍ أوسعَ.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة