كتاب

إشارات لا نفهمها إلَّا متأخرين

شاهدتُ مقطعًا من فيلم قديم لـ»شارلي شابلن»، وهو يتحدَّث لفتاةٍ مريضةٍ بنبرةٍ هادئةٍ، كأبٍ يعرف أنَّ الحياة لن تكون سهلةً، لكنَّه يصرُّ على أنْ يزرع فيها قوَّة الاحتمال. لم تكن الكلماتُ معقَّدةً، بل بسيطةٌ ومباشرةٌ: تمسَّكي بالحياة، حتَّى حين تبدُو قاسيةً. بقي ذلك المقطع عالقًا في ذهني، كأنَّه رسالةٌ شخصيَّةٌ جاءتني في توقيت دقيق.

أعيشُ هذه الأيام تجربةً صحيَّةً لم أخطِّط لها، تضخُّم في الغُدَّة الدرقيَّة من الدرجة الثَّالثة. حين سمعتُ التَّشخيص، ابتسمتُ. لم تكن ابتسامةَ استهانةٍ، بل ابتسامة تسليمٍ. آمنتُ أنَّ ما يكتبه الله لنا يحمل في داخله خيرًا، حتَّى وإن جاء مغلَّفًا بالألم.


البعضُ يظنُّ أنَّ أمراض الغُدَّة الدرقيَّة بسيطةٌ، لكنَّها ليست كذلك. هي تغيُّرات يوميَّة في الجسد والنَّفسيَّة، وتقلُّبات لا يفهمها كثيرُون. أستيقظُ أحيانًا على ألم، وأُلاحظُ أحيانًا أُخْرى تغيُّرًا في ملامحي المُتعبة، حتَّى إنَّ رقبتي بدأت تنتفخُ بشكل واضح، وأصبحت فكرة العمليَّة واستئصال الغُدَّة بالكامل احتمالًا واقعيًّا. الأمرُ مؤلمٌ، نعم، لكنَّه ليس نهاية العالم.

أجَّلتُ حفلات توقيع كنتُ أستعدُّ لها، وأوقفتُ مشروعات خطَّطتُ لها بشغفٍ. شعرتُ للحظة أنَّني أؤخِّر حياتي، ثمَّ أدركتُ أنَّني في الحقيقة أحميها. قلتُ لنفسي: لعلَّه خير. ربَّما هذا التَّأخير ليس تعطيلًا، بل فرصة لأُعيد ترتيب أولويَّاتي، وأنْ أعتني بجسدِي كما أعتني بأفكارِي.


وأدركتُ أيضًا أنَّ المرض يُغيِّر نظرتَنا لكلِّ شيءٍ. نصبحُ أكثرَ حساسيَّةً، أكثرَ وعيًا، المرضُ لا يسلبنا الحياةَ، بل يجعلنا نرَى كلَّ شيءٍ بنظرةٍ مختلفةٍ. يجعلنا نُعيد تقييم العلاقات، والأحلام، وحتَّى الوقت نفسه. فجأةً، تصبح التفاصيلُ الصغيرةُ أثمنَ، ويصبح السَّلامُ الداخليُّ هدفًا لا يقلُّ أهميَّةً عن أيِّ إنجازٍ.

كلُّ يوم أقول: الحمدُ للهِ على ما أنا عليه الآنَ. ليس لأنَّني لا أشعرُ بالتَّعب، بل لأنَّني مؤمنةٌ أنَّ ما يمرُّ بنا ليس عبثًا. هناك إشاراتٌ يرسلها اللهُ لنا، لا نفهمُها في لحظتها، لكنَّها تعيدنا إلى أنفسنا، وتذكِّرنا بأنَّ القوَّة ليست في إنكار الألم، بل في مواجهتِه بابتسامةٍ هادئةٍ.

تعلَّمتُ أنْ أتمسَّك بالحياة، لا لأنَّ الطَّريقَ سهلٌ، بل لأنَّ الإيمان يجعلنا نرَى النُّورَ حتَّى في أشدِّ اللَّحظاتِ ظلمةً.

* من النافذة:

ما نظنُّه ابتلاءً، قد يكونُ رسالةً رحيمةً تُعيدُنَا إلى جوهرِنَا.

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ