كتاب

مضيق هرمز.. صداع الجيولوجيا والجيوغرافيا

هلْ تأمَّلت يومًا خريطة العالم؟ إنَّها ليست مجرَّد خطوط وألوان على ورق؛ إنَّها صراعٌ كبيرٌ وأبديٌّ بين اليابسة والماء، وفي قلب هذا الصراع يقبع مضيق هرمز، ذلك الممرُّ الذي يشبه عنق الزُّجاجة، والذي إذا حبس العالم أنفاسه فيه، اختنق الجميعُ! الإنسان يظنُّ أنَّه سيِّد الأرض، بينما الأرض تتحرَّك تحت قدميه وتغيِّر خرائطها وفق قوانينها الخاصَّة، دون أنْ تسأله، والجغرافيا لا تجاملُ أحدًا، ولا تعرف العواطف، فانظرْ إلى السَّاحل الإيرانيِّ، ستجده يمتد لمسافة 1,535 كيلومترًا متعرِّجًا في كبرياء، لكن انظر إلى الضِّفة الأُخْرى، ستجد السواحل العربيَّة مجتمعةً تتجاوز 3,490 كيلومترًا، والحقيقة التي يحاول التَّاريخ الغربيُّ إخفاءَها تحت أكوام من الغبار والورق، هي أنَّ هذا الخليج «عربيٌّ» بامتياز، من أوَّل شبرٍ في مسندم العُمانيَّة، وحتى آخر قطرة ماء في شط العرب بالبصرة، فالجغرافيا هنا تتحدَّث بلسان عربيٍّ مبينٍ، والأرقام لا تكذب أبدًا، وإنْ كذب المؤرِّخُونَ.

وما هي «مسندم»؟ إنَّها ذلك الرَّأس الجبليُّ العربيُّ الواقف كالحارس بذكاء فطريٍّ صامتٍ، جبالها لا تنحدر نحو الماء بهدوءٍ، بل تسقط فيه كعاشقٍ قرَّر أنْ يذوب في حضن الموج؛ لتصنع لنا ألسنةً مائيَّةً ممتدَّةً وأوديةً غارقةً تخدع البصر بجمالها، هنا تدرك أنَّ الطبيعة هي المهندس الأوَّل الذي لا يخطئُ في حساباتِهِ، وهي التي رسمت هذه الزَّوايا الصَّعبة لتكون درعًا وحصنًا طبيعيًّا، وعلم الجيولوجيا يخبرنا أنَّ الأرض تحت أقدامنا «تتحرَّك»، ليست ثقيلة ساكنة كما نظنُّ في لحظاتٍ غرورِنَا، إنَّها تشبه قطع «الجيكسو» العملاقة التي تترابطُ بصرامةِ النواميسِ الكونيَّة منذ فجر الخلق، فالصفيحة العربيَّة قرَّرت منذ ملايين السِّنين أنْ تسافر شمالًا، فاصطدمت بالصفيحة الأوراسيَّة، وهذا الاشتباك الحركيُّ هو الذي صنع الجبال، وهو الذي ترك لنا هذا «الخسف الغارق» الذي نسمِّيه اليوم مضيقًا، نحن نعيش فوق تصادم جبَّار، وما نراه مألوفًا هو في الحقيقة نتيجة صراع صخريٍّ مروِّع خضع لمنطق القوَّة والضَّغط.


وفي أعماق هرمز، هناك سرٌّ ملحيٌّ عجيبٌ! ملحٌ قديمٌ يعود تاريخه لأكثر من 500 مليون سنة، حين كانت الأرض طفلةً صغيرةً، ولأنَّ الملح بطبيعتِهِ «خفيف» ومتمرِّد، ولا يحب السجن في الأعماق، فقد اندفع مخترقًا الصخورَ الصمَّاء، وظهر على السطح في شكل قباب ملوَّنة ترسم مشاهد خياليَّة ساحرةً، وقد شكَّلت هذه القباب الملحيَّة جزر المضيق الشَّهيرة، وعلى رأسها جزيرة «هرمز» بتربتها الحمراء وجبال ملحها الملوَّنة، وجزيرة «قشم» أكبر جزر الخليج التي تحتضن في أحشائها كهوفًا ملحيَّة مذهلةً، جزر كاملة تنزفُ لونًا أحمرَ بفضل أكسيد الحديد، كأنَّ الأرض تحكي قصَّة تشكُّلها القديم بجمال مذهل لا تملك أمامه إلَّا الصَّمت والتَّأمُّل.

تخيَّل.. قبل 18 ألف سنة فقط، وهي ثانية واحدة في عمر الزَّمن، كان هذا المضيق واديًا جافًّا! ولكن الجليد ذاب، والمحيط اندفع؛ ليكوِّن الخليج، وأصبح لدينا هذا الشُّريان العالمي الذي يتحكَّم في مزاج المصانع، والسيَّارات، والبيوت من طوكيو إلى نيويورك، إنَّ هرمز ليس ملكيَّة خاصَّة لأحد يغلقه متى يشاء، أو يضع مفتاحه في جيبه، إنَّه ممرٌ دوليٌّ بامتياز، وقوانين البحار الدوليَّة والتجارة تقول إنَّه «حق عام» للبشريَّة جمعاء، التاريخ لا يرجع للوراء، والمياه التي جرت في المضيق لا تعود للمنابع أبدًا، سيظل هرمز مفتوحًا، ليس لأنَّنا نريد ذلك فحسب، بل لأنَّ حتمية الوجود الجغرافيِّ جعلته يكون «شريان حياة» لا يقبل الانقطاع، تمامًا كنبض القلب الذي يمنح الرُّوح لجسد العالم دون توقُّف!

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ