منتدى
(أنا لازلت حيًّا)
تاريخ النشر: 16 مايو 2026 15:51 KSA
من أكثر الجُمل قسوةً، تلك التي لا تُقال بصوتٍ مرتفعٍ، ولا يُسمع لها صدى، ولكنَّها تُمارَس يوميًّا بصمت كئيب 'لقد انتهى دورك'.
أحباءنا المتقاعدِين لا يعانُون من التقدُّم في العمر، بقدر ما يعانُون من نظرة المجتمع إليهم، تلك النظرة التي تختزل الإنسان في (بطاقة عمل)، فإذا انتهت سنوات الخدمة، بدا وكأنَّ قيمته قد تمَّ إخلاء طرفها حال تسليمهم بطاقاتهم. فجأةً يتحوَّل صاحب القرار والخبرة والحكمة والإنجاز، إلى شخص مُهمَّش يُقاطََع رأيه، ويُعامَل بحذرٍ مُشفق، أو برعايةٍ تُشبه أحيانًا معاملة الأطفال، وكأنَّ الحنكة أصبحت عبئًا، لا إرثًا مكنوزًا.
ورغم أنَّ الدِّراسات العالميَّة تؤكِّد أنَّ التقاعد القسري نفسيًَّا قد يرتبط بارتفاع معدَّلات الاكتئاب والعزلة والأمراض المزمنة، يصل في بعض الأحيان إلى ٤٠% من المتقاعدين. حيث إنَّ المتقاعدِين لا يخسرُون وظائفهم فقط، ولكن يخسرُون تدريجيًّا شعورهم بالمكانة والانتماء.
وتشير بعض الدِّراسات إلى أنَّ ما يقارب ٣٠٪ من المتقاعدِين قد يعانُون أعراضًا اكتئابيَّة بدرجاتٍ متفاوتةٍ خلال السنوات الأولى بعد التقاعد، فيما ترتفع معدَّلات العزلة الاجتماعيَّة والشعور بعدم القيمة لدى مَن يفتقدون التواصل المجتمعي الفاعل. والأشد قسوة من ذلك أنَّ المجتمع وحتَّى وإنْ كان ذلك من غير قصد، أو بحُسن نيَّة يبدأ بالتَّعامل معهم باعتبارهم أشخاصًا 'من الماضي'، تُتَجاوز آراؤهم، ويُستَهان بخبراتهم، وتُؤخَذ قراراتهم بسخريةٍ مبطَّنةٍ، أو شفقةٍ جارحةٍ. فأصبحنا نرى الكثير منهم في المجالس صامتِينَ بعد أنْ كانوا قادة حديث، وفي المؤسَّسات زوَّارًا بعد أنْ كانوا أعمدة بناء. وكأنَّ العمر الطويل، والخبرة العميقة تحوَّلا فجأةً من مصدر هيبة وافتخار إلى سبب للتَّهميش. لذلك فالمشكلة الحقيقيَّة ليست في التقاعد ذاته. بل في الإقصاء المعنويِّ الذي يليه. حيث أشارت تقارير صحيَّة دوليَّة إلى أنَّ فقدان الشعور بالأهميَّة والهدف بعد التقاعد يرتبط بتدهور الصحَّة النفسيَّة والجسديَّة، بينما ينعكس الاندماج المجتمعي والاحترام المستمر إيجابًا على جودة الحياة وطول العمر.
المؤلم أنَّنا نرى هذه الفئة العظيمة التي تمثَّلت في رجل بنى مؤسَّسة، أو معلِّمٌ خرَّج أجيالًا، أو أمٍّ أفنت عمرها في صناعة الاستقرار الأسريِّ رغم مشاغلها العمليَّة.. وفجأةً يجدُون أنفسهم على هامش المشهد، وكأنَّ المجتمع استهلك خبراتهم، ثم أغلق الباب خلفهم.
هؤلاء لم يكونُوا عابرِين في حياتنا.. هم الذين شقُّوا الطُّرق قبل أنْ نسير عليها، وأضاءُوا المُدن قبل أنْ نعتاد نورها، وحملُوا قلق البدايات؛ كَي نعيش نحن رفاهية النتائج.
ولذلك فإنَّ احترام المتقاعدِين لا يجبُ أن يكون عاطفةً عابرةً مؤقتةً، أو كلمات احتفاليَّة، بل مشروعًا اجتماعيًّا حقيقيًّا بإشراكهم في المجالس والقرارات، والاستفادة من خبراتهم، وتأسيس برامج دعم نفسيٍّ ومجتمعيٍّ، وخلق مساحات تطوُّعيَّة واستشاريَّة تحفظ لهم حضورهم وكرامتهم، بالإضافة أنَّ بعض التوصيات العمليَّة أشارت بعمل برنامج مؤسسيٍّ يبدأ في خمس السنوات الأخيرة قبل التقاعد؛ لتهيئة المتقاعدِين للحياة المقبلة، والأهم من هذه المبادرات جميعها أنْ نصغي إليهم بصدق؛ لأنَّ الإنسان لا يشيخُ حين يتقدذَم به العمرُ، بل حين يشعر أنَّ صوته لم يعد مسموعًا.
أرجو أنْ نعلم أنَّ المتقاعد ليس شخصًا انتهت صلاحيَّته ولكنَّه كتابٌ وثيرٌ امتلأت صفحاته بالحياة. وأكثر المجتمعات فقرًا تلك التي تضعُ كتبها العظيمة على الرفوف، ثم تمضي وكأنَّها لم تُنِر يومًا طريقها.
أحباءنا المتقاعدِين لا يعانُون من التقدُّم في العمر، بقدر ما يعانُون من نظرة المجتمع إليهم، تلك النظرة التي تختزل الإنسان في (بطاقة عمل)، فإذا انتهت سنوات الخدمة، بدا وكأنَّ قيمته قد تمَّ إخلاء طرفها حال تسليمهم بطاقاتهم. فجأةً يتحوَّل صاحب القرار والخبرة والحكمة والإنجاز، إلى شخص مُهمَّش يُقاطََع رأيه، ويُعامَل بحذرٍ مُشفق، أو برعايةٍ تُشبه أحيانًا معاملة الأطفال، وكأنَّ الحنكة أصبحت عبئًا، لا إرثًا مكنوزًا.
ورغم أنَّ الدِّراسات العالميَّة تؤكِّد أنَّ التقاعد القسري نفسيًَّا قد يرتبط بارتفاع معدَّلات الاكتئاب والعزلة والأمراض المزمنة، يصل في بعض الأحيان إلى ٤٠% من المتقاعدين. حيث إنَّ المتقاعدِين لا يخسرُون وظائفهم فقط، ولكن يخسرُون تدريجيًّا شعورهم بالمكانة والانتماء.
وتشير بعض الدِّراسات إلى أنَّ ما يقارب ٣٠٪ من المتقاعدِين قد يعانُون أعراضًا اكتئابيَّة بدرجاتٍ متفاوتةٍ خلال السنوات الأولى بعد التقاعد، فيما ترتفع معدَّلات العزلة الاجتماعيَّة والشعور بعدم القيمة لدى مَن يفتقدون التواصل المجتمعي الفاعل. والأشد قسوة من ذلك أنَّ المجتمع وحتَّى وإنْ كان ذلك من غير قصد، أو بحُسن نيَّة يبدأ بالتَّعامل معهم باعتبارهم أشخاصًا 'من الماضي'، تُتَجاوز آراؤهم، ويُستَهان بخبراتهم، وتُؤخَذ قراراتهم بسخريةٍ مبطَّنةٍ، أو شفقةٍ جارحةٍ. فأصبحنا نرى الكثير منهم في المجالس صامتِينَ بعد أنْ كانوا قادة حديث، وفي المؤسَّسات زوَّارًا بعد أنْ كانوا أعمدة بناء. وكأنَّ العمر الطويل، والخبرة العميقة تحوَّلا فجأةً من مصدر هيبة وافتخار إلى سبب للتَّهميش. لذلك فالمشكلة الحقيقيَّة ليست في التقاعد ذاته. بل في الإقصاء المعنويِّ الذي يليه. حيث أشارت تقارير صحيَّة دوليَّة إلى أنَّ فقدان الشعور بالأهميَّة والهدف بعد التقاعد يرتبط بتدهور الصحَّة النفسيَّة والجسديَّة، بينما ينعكس الاندماج المجتمعي والاحترام المستمر إيجابًا على جودة الحياة وطول العمر.
المؤلم أنَّنا نرى هذه الفئة العظيمة التي تمثَّلت في رجل بنى مؤسَّسة، أو معلِّمٌ خرَّج أجيالًا، أو أمٍّ أفنت عمرها في صناعة الاستقرار الأسريِّ رغم مشاغلها العمليَّة.. وفجأةً يجدُون أنفسهم على هامش المشهد، وكأنَّ المجتمع استهلك خبراتهم، ثم أغلق الباب خلفهم.
هؤلاء لم يكونُوا عابرِين في حياتنا.. هم الذين شقُّوا الطُّرق قبل أنْ نسير عليها، وأضاءُوا المُدن قبل أنْ نعتاد نورها، وحملُوا قلق البدايات؛ كَي نعيش نحن رفاهية النتائج.
ولذلك فإنَّ احترام المتقاعدِين لا يجبُ أن يكون عاطفةً عابرةً مؤقتةً، أو كلمات احتفاليَّة، بل مشروعًا اجتماعيًّا حقيقيًّا بإشراكهم في المجالس والقرارات، والاستفادة من خبراتهم، وتأسيس برامج دعم نفسيٍّ ومجتمعيٍّ، وخلق مساحات تطوُّعيَّة واستشاريَّة تحفظ لهم حضورهم وكرامتهم، بالإضافة أنَّ بعض التوصيات العمليَّة أشارت بعمل برنامج مؤسسيٍّ يبدأ في خمس السنوات الأخيرة قبل التقاعد؛ لتهيئة المتقاعدِين للحياة المقبلة، والأهم من هذه المبادرات جميعها أنْ نصغي إليهم بصدق؛ لأنَّ الإنسان لا يشيخُ حين يتقدذَم به العمرُ، بل حين يشعر أنَّ صوته لم يعد مسموعًا.
أرجو أنْ نعلم أنَّ المتقاعد ليس شخصًا انتهت صلاحيَّته ولكنَّه كتابٌ وثيرٌ امتلأت صفحاته بالحياة. وأكثر المجتمعات فقرًا تلك التي تضعُ كتبها العظيمة على الرفوف، ثم تمضي وكأنَّها لم تُنِر يومًا طريقها.