كتاب

مراكز الدراسات.. وتجديد المعرفة

تُمثِّل مراكز الدِّراسات والأبحاث، أحد أهم المحرِّكات الفكريَّة التي تُسهم في صناعة القرار، وقراءة التحوُّلات، واستشراف المستقبل. ومن الطبيعيِّ أنْ تحرص هذه المراكز على استقطاب الأكاديميِّين والاستفادة من خبراتهم العلميَّة ومنهجيَّاتهم البحثيَّة، فالأكاديميُّ يمتلكُ أدواتٍ معرفيَّة متقدِّمة؛ وقدرة على التعامل مع النظريَّات والمفاهيم والمنهجيَّات التي تشكِّل أساس العمل البحثيِّ الرَّصين.
مع ذلك، فإنَّ حصر فرص التَّعاون، أو التَّوظيف في دائرة الأكاديميِّين فقط؛ يحرم هذه المراكز من طاقات نوعيَّة قادرة على إضافة قيمة حقيقيَّة لعملها. فالمعرفة لم تعدْ حِكرًا على قاعات الجامعات، والخبرة لم تعدْ مرتبطة حصرًا بالشهادات العُليا، كما أنَّ التحوُّلات التي يشهدها العالم أوجدت مسارات متعدِّدة لاكتساب المعرفة؛ وتطوير المهارات، وبناء الخبرات.

في المملكة العربيَّة السعوديَّة، يبرز عدد كبير من الكتَّاب والكاتبات، والباحثين المستقلِّين، والممارسين المهنيِّين؛ الذين راكمُوا خبراتٍ واسعةً في مجالات الاقتصاد والإعلام والسياسات العامَّة، والتقنية والتنمية الاجتماعيَّة والشؤون الدوليَّة وغيرها. كثير منهم يمتلك قدرةً عاليةً على التَّحليل، وقراءة المؤشِّرات، وبناء التصوُّرات المستقبليَّة، وصياغة المحتوى البحثيِّ والفكريِّ، إلَّا أنَّ أبواب بعض مراكز الدِّراسات ما زالت تنظرُ إلى المؤهَّل الأكاديميِّ بوصفه المعيار الأوَّل، وأحيانًا المعيار الوحيد.
هذا التوجُّه يحرم المراكز من تنوُّع فكريٍّ تحتاج إليه بشدَّة. فالأكاديميُّ يقدِّم العمقَ المنهجيَّ، بينما يقدم الكاتب والممارس المهنيُّ خبرةَ الواقع، ويقدِّم المتخصِّص المستقل زوايا نظر مختلفة قد لا تتوافر داخل البيئة الأكاديميَّة التقليديَّة. وعندما تجتمع هذه الخبرات المتنوِّعة؛ تتشكَّل بيئة أكثر ثراءً وقدرةً على إنتاج أفكار جديدةٍ، ومعالجات أكثر واقعيَّة للقضايا والتحدِّيات.

النجاح الحقيقي لمراكز الدِّراسات ليس بعدد الألقاب العلميَّة الموجودة داخلها، وإنَّما بقدرتها على جمع العقول القادرة على الإضافة والإنتاج والتأثير. فالمعيارُ الأهم يتمثَّل في جودة المخرجات، وقوة التحليل، ودقة القراءة، والقدرة على تقديم حلول وأفكار ذات قيمة.
إنَّ توسيع دائرة الاستقطاب لتشمل أصحاب الخبرات والمعارف من خارج المسار الأكاديميِّ لا يعني التقليل من أهميَّة الأكاديميِّين، وإنَّما يعني استثمارًا أوسع لرأس المال الفكريِّ. فهناك فرصة نموٍّ كبيرة ما زالت تنتظر كثيرًا من مراكز الدراسات، فرصة عنوانها اكتشاف الكفاءات التي صنعت معرفتها بالاجتهاد والتجربة والممارسة، ومنحها المساحة التي تستحقُّها للمشاركة في صناعة الفكر، وإنتاج المعرفة.

أخبار ذات صلة

عبدالعزيز بن تركي.. ومرحلة الرؤية الرياضية
خبرات رجال الأعمال.. ثروة وطنية تستحق الاستثمار
سؤال الهوية.. والعلوم الإنسانية
«الحج».. رسالة إعلامية عالمية
;
حج استثنائي
بين الشغف والحماس..!
مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
;
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
;
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!