كتاب
إدارة موارد الحياة: علم أم حكمة؟!
تاريخ النشر: 07 يونيو 2026 11:43 KSA
كنت أسأل طلابي في الجامعة: ما رأيكم فيمن خرج ذات صباح بسيارته على غير هدى؟ تسأله: إلى أين؟ فيرد: إلى حيث تأخذني الطريق. إلى متى؟ حتى التعب. هل لديك وقود يكفي؟ لا أدري. طعام كافٍ؟ لا أظن.
يضحك الشباب، أو يحتارون، أو يحكمون على السائق بالتيه والضياع. وعندها أقول لهم: هذا حال كل واحد منكم إذا لم تكن لديه خارطة طريق. يعرف ماذا يدرس، ولماذا يدرس، وما الذي يخطط له بعد التخرج. أما من يعرف ماذا يريد ولماذا يريده، فقد اختار هذا التخصص وهذه الكلية بعناية، وأتوقع منه أن يقرأ ويشارك ويتفوق في كل امتحان. فهدفه أمامه، وكلنا، نحن الأساتذة، وهذه الكتب والمناهج، وسائله للوصول إلى ما يحتاجه لتحقيق ذلك الهدف.
السؤال الذي يطرحه أستاذ إدارة الموارد، الدكتور عبدالله بهجت، هو: ما هي أولوياتك؟ فموارد الحياة تحددها أربعة أصول: الوقت، والعلم، والصحة، والمال. وغالباً ما تُسخّر في الدنيا لتعظيم المال وتنمية الثروة. أما علوم الآخرة فتستبدل المستهدف بتعظيم الحسنات. وباختلاف الهدف يختلف كل شيء. ففي الأولى تسعى بكل ما منّ الله عليك من وقت وصحة وعلم ومال لتؤمن ثروة تمتعك في حياتك، ثم تورثها لمن بعدك.
أما في الثانية، فأنت توازن بين إشباع احتياجاتك الدنيوية وبين الادخار للدار الآخرة. فأما الأولى فهي مؤقتة تنقضي كلها: الوقت ينتهي، والصحة تفنى، والعلم قد يضعف مع التقدم في السن أو المرض، والمال يفيض عن حاجتك، وقد يضرك ويحرق دمك. أما الحسنات فتبارك كل ما سبق، ثم يضاعفها الله، وتنفعك يوم لا ينفع مال ولا بنون، وتشتري لك قصوراً في جنة الخلد.
تذكرت قصة ملياردير أمريكي كان يحاضر سكان قرية صيادين في جنوب أمريكا عن أولويات الحياة. فروى لهم كيف اجتهد في دراسته الأولية بمدرسة خاصة داخلية، ثم التحق بكلية الأعمال في جامعة عريقة، مما أهله للعمل في شركات تجارية كبرى. وتدرج فيها بالجد والاجتهاد وسهر الليالي، حتى أصبح يملك الملايين. والآن أصبح ثرياً متقاعداً، وقرر أن يقضي حياته، بعد أن أمّنها، في هذه القرية الحالمة.
نظر السكان إلى بعضهم بعضاً، ثم ضحكوا وقالوا: كل هذا التعب لكي تلحق بنا؟ لقد سبقناك إلى هنا بلا مجهود!
وذكرني أيضاً بقصة صديقي المحامي الكبير. درس وتخرج وعمل في كبرى الشركات الأمريكية، ثم قرر فجأة أن يستقيل من كل شيء ويعود. سألته عن السبب، فحكى أنه ذات مساء خرج من مكتبه مع انتهاء الدوام الساعة الخامسة على عجل. وبعد أن وصل إلى الشارع توقف متأملاً حاله وحال الجميع. فالكل يركض، والكل على عجل. وسأل نفسه: لماذا العجلة؟ فالدوام انتهى، والعودة إلى البيت تعني الراحة والطعام والتلفاز، ثم النوم استعداداً ليوم عمل جديد، أو السهر لأن اليوم التالي إجازة.
اكتشف عندها أنه يعيش ليعمل، وليس يعمل ليعيش. وقرر أن يعود إلى حيث يتوقف خمس مرات في اليوم، لا جمع فيها ولا قصر، ليراجع عمله وينشط قلبه، وليصوم مع المسلمين ويحج معهم، وليبر والديه وأهله، وليعيش حياته خادماً لدينه ووطنه وأسرته، ومستثمراً في آخرته.
رويت ذلك لعضو وفد الكونغرس الأمريكي الزائر عندما سألني عن سر الصلوات الخمس، وهو الذي تعود على صلاة الأحد فحسب، وتأثير ذلك على الإنتاجية. فالتزم الصمت، حتى ما بعد العشاء، ثم عاد ليرد بأن الأمر يستحق الاهتمام.
وروى لي قصة صديق له، برتبة عسكرية عالية، كُلّف من حكومته بالتوسط بين الفصائل الأفغانية والاستخبارات الباكستانية خلال فترة الصراع مع الاتحاد السوفيتي. وبعد جلسة صاخبة، أذّن المؤذن لصلاة العشاء، فتوقف الجميع، وساد الصمت، وقاموا للوضوء وللصلاة. رآهم يجتمعون صفاً واحداً خلف الإمام، ينصتون بخشوع لتلاوة القرآن، ويركعون ويسجدون سوياً. ثم إذا انتهت الصلاة جلسوا يذكرون الله، وقد غسلت وجوههم وأرواحهم السكينة، وهدأت نفوسهم، وتصافحوا بدعاء القبول. اختفى ذلك العداء والغضب والنقاش الحاد، وبدا وكأنهم فريق واحد يجتمعون في كنف الدين الواحد والرب الأحد.
«وعندما عاد صديقي إلى أمريكا دفعه ذلك المشهد العجيب إلى دراسة الإسلام وقراءة القرآن المترجم والسيرة النبوية. وبعد سنوات قليلة تقاعد مبكراً من عمله، واشترى مزرعة في ولايته. ولما زرته فيها كان اسمه الجديد عربياً، وديانته الإسلام. لذلك سألتك عن سر الصلوات الخمس لعلي أفهم صاحبي، وأحسب أنني فهمته الآن أكثر».
مضى زمن على تلك المحادثة، ولا أذكر اليوم اسم عضو الكونغرس أو صفته، لكنني ما زلت أذكر الدرس الذي أعادت تأكيده: أن قيمة الوقت والعلم والصحة والمال لا تُقاس بما نجمعه منها، بل بالغاية التي نوجهها إليها. ومن يدري، فلعل الرجل راجع أولوياته فعلاً، وربما لحق بصديقه في المزرعة.
فإذا كانت موارد الحياة محدودة، يبقى السؤال: ما أولويتنا نحن في الحياة؟
يضحك الشباب، أو يحتارون، أو يحكمون على السائق بالتيه والضياع. وعندها أقول لهم: هذا حال كل واحد منكم إذا لم تكن لديه خارطة طريق. يعرف ماذا يدرس، ولماذا يدرس، وما الذي يخطط له بعد التخرج. أما من يعرف ماذا يريد ولماذا يريده، فقد اختار هذا التخصص وهذه الكلية بعناية، وأتوقع منه أن يقرأ ويشارك ويتفوق في كل امتحان. فهدفه أمامه، وكلنا، نحن الأساتذة، وهذه الكتب والمناهج، وسائله للوصول إلى ما يحتاجه لتحقيق ذلك الهدف.
السؤال الذي يطرحه أستاذ إدارة الموارد، الدكتور عبدالله بهجت، هو: ما هي أولوياتك؟ فموارد الحياة تحددها أربعة أصول: الوقت، والعلم، والصحة، والمال. وغالباً ما تُسخّر في الدنيا لتعظيم المال وتنمية الثروة. أما علوم الآخرة فتستبدل المستهدف بتعظيم الحسنات. وباختلاف الهدف يختلف كل شيء. ففي الأولى تسعى بكل ما منّ الله عليك من وقت وصحة وعلم ومال لتؤمن ثروة تمتعك في حياتك، ثم تورثها لمن بعدك.
أما في الثانية، فأنت توازن بين إشباع احتياجاتك الدنيوية وبين الادخار للدار الآخرة. فأما الأولى فهي مؤقتة تنقضي كلها: الوقت ينتهي، والصحة تفنى، والعلم قد يضعف مع التقدم في السن أو المرض، والمال يفيض عن حاجتك، وقد يضرك ويحرق دمك. أما الحسنات فتبارك كل ما سبق، ثم يضاعفها الله، وتنفعك يوم لا ينفع مال ولا بنون، وتشتري لك قصوراً في جنة الخلد.
تذكرت قصة ملياردير أمريكي كان يحاضر سكان قرية صيادين في جنوب أمريكا عن أولويات الحياة. فروى لهم كيف اجتهد في دراسته الأولية بمدرسة خاصة داخلية، ثم التحق بكلية الأعمال في جامعة عريقة، مما أهله للعمل في شركات تجارية كبرى. وتدرج فيها بالجد والاجتهاد وسهر الليالي، حتى أصبح يملك الملايين. والآن أصبح ثرياً متقاعداً، وقرر أن يقضي حياته، بعد أن أمّنها، في هذه القرية الحالمة.
نظر السكان إلى بعضهم بعضاً، ثم ضحكوا وقالوا: كل هذا التعب لكي تلحق بنا؟ لقد سبقناك إلى هنا بلا مجهود!
وذكرني أيضاً بقصة صديقي المحامي الكبير. درس وتخرج وعمل في كبرى الشركات الأمريكية، ثم قرر فجأة أن يستقيل من كل شيء ويعود. سألته عن السبب، فحكى أنه ذات مساء خرج من مكتبه مع انتهاء الدوام الساعة الخامسة على عجل. وبعد أن وصل إلى الشارع توقف متأملاً حاله وحال الجميع. فالكل يركض، والكل على عجل. وسأل نفسه: لماذا العجلة؟ فالدوام انتهى، والعودة إلى البيت تعني الراحة والطعام والتلفاز، ثم النوم استعداداً ليوم عمل جديد، أو السهر لأن اليوم التالي إجازة.
اكتشف عندها أنه يعيش ليعمل، وليس يعمل ليعيش. وقرر أن يعود إلى حيث يتوقف خمس مرات في اليوم، لا جمع فيها ولا قصر، ليراجع عمله وينشط قلبه، وليصوم مع المسلمين ويحج معهم، وليبر والديه وأهله، وليعيش حياته خادماً لدينه ووطنه وأسرته، ومستثمراً في آخرته.
رويت ذلك لعضو وفد الكونغرس الأمريكي الزائر عندما سألني عن سر الصلوات الخمس، وهو الذي تعود على صلاة الأحد فحسب، وتأثير ذلك على الإنتاجية. فالتزم الصمت، حتى ما بعد العشاء، ثم عاد ليرد بأن الأمر يستحق الاهتمام.
وروى لي قصة صديق له، برتبة عسكرية عالية، كُلّف من حكومته بالتوسط بين الفصائل الأفغانية والاستخبارات الباكستانية خلال فترة الصراع مع الاتحاد السوفيتي. وبعد جلسة صاخبة، أذّن المؤذن لصلاة العشاء، فتوقف الجميع، وساد الصمت، وقاموا للوضوء وللصلاة. رآهم يجتمعون صفاً واحداً خلف الإمام، ينصتون بخشوع لتلاوة القرآن، ويركعون ويسجدون سوياً. ثم إذا انتهت الصلاة جلسوا يذكرون الله، وقد غسلت وجوههم وأرواحهم السكينة، وهدأت نفوسهم، وتصافحوا بدعاء القبول. اختفى ذلك العداء والغضب والنقاش الحاد، وبدا وكأنهم فريق واحد يجتمعون في كنف الدين الواحد والرب الأحد.
«وعندما عاد صديقي إلى أمريكا دفعه ذلك المشهد العجيب إلى دراسة الإسلام وقراءة القرآن المترجم والسيرة النبوية. وبعد سنوات قليلة تقاعد مبكراً من عمله، واشترى مزرعة في ولايته. ولما زرته فيها كان اسمه الجديد عربياً، وديانته الإسلام. لذلك سألتك عن سر الصلوات الخمس لعلي أفهم صاحبي، وأحسب أنني فهمته الآن أكثر».
مضى زمن على تلك المحادثة، ولا أذكر اليوم اسم عضو الكونغرس أو صفته، لكنني ما زلت أذكر الدرس الذي أعادت تأكيده: أن قيمة الوقت والعلم والصحة والمال لا تُقاس بما نجمعه منها، بل بالغاية التي نوجهها إليها. ومن يدري، فلعل الرجل راجع أولوياته فعلاً، وربما لحق بصديقه في المزرعة.
فإذا كانت موارد الحياة محدودة، يبقى السؤال: ما أولويتنا نحن في الحياة؟