كتاب

ليس كرمًا.. بل هياط وطبقية

* بالتأكيد (الكرم، وحُسن الضيافةِ والجود)، عناوين أصيلة في ثقافة مجتمعنا ولا تزال، وهي قِيمة صادقة تعكس تلاحم الأفراد ومودَّتهم وحبَّهم للخير والعطاء اللامحدود للغير، ولكن -وللأسف الشديد- وفي ظلِّ سطوة مواقع التواصل الحديثة، والبحث فيها عن المزيد من المتابعين، والرتويتات، وصدارة الهاشتاقات، بدأت تحوُّلات وسلوكيَّات غريبة تثير القلق، فـ(الإحسانُ للضَّيف) انتقل من كونه ممارسةً إنسانيَّةً قائمةً على الكرمِ والمودَّةِ، إلى مجرَّد استعراضٍ بصريِّ يفتقر إلى الرُّوح.
*****

* فالهدف من دعوة الضيوف، ليس الاحتفاء بهم، أو توطيد العلاقات معهم، بل أصبح الغرض الأساس هو (الهياط)، فقبل دعوتهم يتم الاتِّفاق مع مجموعة من المصوِّرين، ونُخبة من مشاهير المواقع، وبعض (الشُّعراء المادحين)، وكل ذلك لتوثيق (الوليمة الكبيرة التي فيها الصَّواني تحتضنُ إبلًا باركةً، وحولها شياهٌ جاثمةٌ)، ونشرها للفوز بإعجاب عامَّة النَّاس وثنائهم في مسرحيَّات استعراضيَّة هزليَّة.
*****

* وهنا خطورة مثل تلك السلوكيَّات أنَّها بدأت -شيئًا فشيئًا- تتحوَّل من الحالات الفرديَّة، إلى كونها ظاهرة مجتمعيَّة، إضافة إلى أنَّها تزرع الطبقيَّة في شرايين المجتمع، فهؤلاء أغنياء بولائمهم الدَّسمة كل يوم يفتخرُون، وأولئك الذين بالكاد لقمة عيش أبنائهم يجدُون، وقبل ذلك: إنَّها من الإسراف، وهذا من الرِّياء الذي قد ينشأ عليه النَّاسُ ويعتادُون، وهذا من مطيِّرات النِّعم، ومن منفِّرات هذه المنن -إن لم ننتبه- كما أكَّد الشيخُ الدكتورُ علي الشبل ذات لقاء.
*****
* فما أرجوه -كما ذكرت سابقًا- وقفة صادقة؛ ليعود (كرمنا) إلى قيمه الأصيلة، وبساطته وطيب ونقاء جوهره وصمته، بعيدًا عن التبذير والتصوير، وكم أتمنى مواجهة تيارات الهياط بالحملات التوعوية عبر منابر الجمعة، ووسائل الإعلام. ويبقى، اسمحُوا لي أنْ أرفضَ جدًّا المثلَ المصريَّ الذي يقول: (اللِّي عندُه قرش محيَّره، يشتري حمام ويطيَّره)، وبالتالي هل يمكن أنْ تُفرض رسوم أو غرامات على (أولئك المهايطيَّة) لصالح منصَّة إحسان، أو تبرع، وغيرها من منصَّات أو جمعيَّات القطاع غير الربحيِّ؛ وذلك باعتبارهم يملكُون المال، ويهدرُونه في الإسراف هنا أو هناك، فواجبهم أنْ يلتزموا بجزءٍ منه في خدمة مجتمعهم.. وسلامتكم.

أخبار ذات صلة

قضية القضايا!!
لماذا فشلنا في كأس العالم؟
أيهما أسرع: الاتصال أم الإرسال؟!
التعليم.. وصناعة المستقبل
;
مزاد التمور.. من يربح ومن يخسر؟
السقوط الصامت.. حين تنتحر الحضارات من الداخل
كيف تصنع المستوطنات عقلًا سياسيًّا متطرفًا؟
استثمار الصناعة
;
الحوثيون.. الهروب إلى الخارج حين تضيق خيارات الداخل
«أرامكو» تدير المنتخب السعودي!
الأطراف الصناعية
صالون لندن الثقافي وذكريات نوتنجهام
;
الجامعة واسمها!
قضايا العقل العربي
زارا البلوشي.. الوجه الآخر للنجومية
«المباني الجاهزة» مساكن لا تشبه ساكنيها