منتدى
الإنسان.. مع كأس العالم
تاريخ النشر: 05 يوليو 2026 17:18 KSA
يجلسُ أبٌ أنهكه العملُ، وطفلٌ لم يتجاوز سنواته الأُولى، وامرأةٌ لم تكنْ يومًا شغوفةً بكرة القدم، وشيخٌ تجاوز من العمر ما جعله ينسى أسماء كثيرةً، لكنَّه حاليًّا لن ينسى موعد المباراة. وهناك في الجهة الأخرى من الأرض، يجلسُ أناسٌ لا يعرف أحدُهم الآخرَ، ولا يتحدَّثُون اللَّغة نفسها، ولا يشتركُونَ في التاريخ، ولا حتى الثقافة، لكنَّهم جميعًا ينتظرُون الصَّافرة ذاتها، ويحبسون أنفاسهم عند الركلة نفسها، ثمَّ يفرحُون، أو ربما يتحسَّرُون في اللَّحظة ذاتها وكأنَّ بين قلوبهم موعدًا قديمًا يتجدَّد كل أربع سنوات.
وهذا ما يفعله بنا كأس العالم.. فهذا الحدث لا يستدعي عشَّاق كرة القدم وحدهم. فهناك مَن يحفظ أسماء اللاعبين، وخطط المدرِّبين، وهناك مَن لا يعرف من اللُّعبة إلَّا أنَّها تبدأ بصافرة، وتنتهي بأخرى، جميعهم يلتقيان عند الشغف نفسه. حتَّى في مجتمعات ليست كرة القدم رياضتها الأولى، تتسلَّل البطولة إلى البيوت والمقاهي وأحاديث العمل، فيصبح سؤال من سيفوز الليلة؟ لغةً مشتركة بين أناس لم يجتمعُوا على شيء كما اجتمعُوا عليها.
لكن لماذا يحدث هذا مع كأس العالم تحديدًا؟ لماذا لم تنجح الألعابُ الأولمبيَّة، ولا البطولاتُ القاريَّة، ولا الأحداث السياسيَّة والثقافيَّة الكُبرى في أنْ تصنع الشعور نفسه؟ كيف استطاعت كرة صغيرة أنْ تفعل ما عجزت عنه أحداثٌ أكبرُ منها شأنًا؟
ربَّما وجد إميل دوركايم طرفًا من الجواب، حين تحدَّث عن «الفوران الجمعي»، تلك اللَّحظات التي يذوب فيها الفردُ داخل شعور مشترك، فيحس أنَّه جزءٌ من روح أكبر منه. ثمَّ جاء هنري تاجفل ليبين أنَّ الإنسان يحمل انتماءه في وجدانه، قبل أنْ يحمله في وثائقه؛ لذلك لا يرى في المنتخب أحد عشر لاعبًا فحسب، بل وطنًا وذكرياتٍ ولهجةً وطفولةً. أمَّا ويليام سوان في حديثه عن «اندماج الهويَّة» فذهب إلى أنَّ الإنسان قد يذوب عاطفيًّا في جماعته حتى يصبح نجاحها نجاحه، وخسارتها خسارته.. ومع ذلك، تبدو هذه التفسيرات وكأنَّها تلامس السر ولا تحيط به.
أعتقدُ أنَّ كأس العالم لا يجمع النَّاس؛ لأنَّهم يحبُّون كرة القدم، بل لأنَّهم يحبون في أعماقهم ألَّا يكونوا خارج الحكاية. يريد الإنسان أنْ يشارك الآخرين حديثهم، فرحتهم، انتظارهم حتى وإنْ لم يكن مشجعًا حقيقيًّا. لذلك يتابع كثيرُون البطولة لا لأنَّهم خبراء في اللعبة، ولكن لأنَّهم لا يريدُون أنْ يفوتهم الشعور الذي يعيشه العالم كله.
وهنا تكمن خصوصيَّة كأس العالم، فهو يجمع ثلاثة انتماءات في لحظةٍ واحدةٍ: الانتماء للوطن حين يلعب منتخبك، والانتماء للعالم حين تتابع بقيَّة المباريات بالشَّغف نفسه، والانتماء للَّحظة التي يعيشها مليارات البشر في الوقت ذاته. اجتماعٌ نادرٌ لا تصنعه بطولة أخرى.
الأفكار كثيرًا ما قسمت البشر والسياسة، رفعت بينهم الأسوار والمصالح، غيَّرت وجوه الحلفاء أمام كرة تتدحرج فوق عشب أخضر، فقد استطاعت لأيام قليلة أنْ تفتح نوافذ بين القلوب. فربما الذي كان يتدحرج بين القارات لم يكن الكرة وحدها، بل كان شعورًا قديمًا بالانتماء ظل الإنسان يبحث عنه منذ أن عرف معنى الجماعة.
ولهذا حين تنطفئ أضواء الملاعب، لا يبقى في الذاكرة الهدف الأخير، بقدر ما يبقى من شاركنا لحظة انتظاره. فالذاكرة لا تحفظ الكرة... بل تحفظ القلوب التي نبضت حولها، وهذا هو السر الذي لم تستطع أي نظريَّة أنْ تفسِّره كاملًا، فكأس العالم ليس أعظم حدث لأنَّ كرة القدم هي اللعبة الأكثر شعبيَّة، بل لأنَّه يذكِّر الإنسان مرَّة كل أربع سنوات بحقيقة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد، وهي أنَّنا مهما اختلفت أوطاننا ولغاتنا واهتماماتنا، لا نزال نبحث عن اللَّحظة التي يخفق فيها قلب كل واحدٍ منَّا... مع قلوب الآخرِين.
وهذا ما يفعله بنا كأس العالم.. فهذا الحدث لا يستدعي عشَّاق كرة القدم وحدهم. فهناك مَن يحفظ أسماء اللاعبين، وخطط المدرِّبين، وهناك مَن لا يعرف من اللُّعبة إلَّا أنَّها تبدأ بصافرة، وتنتهي بأخرى، جميعهم يلتقيان عند الشغف نفسه. حتَّى في مجتمعات ليست كرة القدم رياضتها الأولى، تتسلَّل البطولة إلى البيوت والمقاهي وأحاديث العمل، فيصبح سؤال من سيفوز الليلة؟ لغةً مشتركة بين أناس لم يجتمعُوا على شيء كما اجتمعُوا عليها.
لكن لماذا يحدث هذا مع كأس العالم تحديدًا؟ لماذا لم تنجح الألعابُ الأولمبيَّة، ولا البطولاتُ القاريَّة، ولا الأحداث السياسيَّة والثقافيَّة الكُبرى في أنْ تصنع الشعور نفسه؟ كيف استطاعت كرة صغيرة أنْ تفعل ما عجزت عنه أحداثٌ أكبرُ منها شأنًا؟
ربَّما وجد إميل دوركايم طرفًا من الجواب، حين تحدَّث عن «الفوران الجمعي»، تلك اللَّحظات التي يذوب فيها الفردُ داخل شعور مشترك، فيحس أنَّه جزءٌ من روح أكبر منه. ثمَّ جاء هنري تاجفل ليبين أنَّ الإنسان يحمل انتماءه في وجدانه، قبل أنْ يحمله في وثائقه؛ لذلك لا يرى في المنتخب أحد عشر لاعبًا فحسب، بل وطنًا وذكرياتٍ ولهجةً وطفولةً. أمَّا ويليام سوان في حديثه عن «اندماج الهويَّة» فذهب إلى أنَّ الإنسان قد يذوب عاطفيًّا في جماعته حتى يصبح نجاحها نجاحه، وخسارتها خسارته.. ومع ذلك، تبدو هذه التفسيرات وكأنَّها تلامس السر ولا تحيط به.
أعتقدُ أنَّ كأس العالم لا يجمع النَّاس؛ لأنَّهم يحبُّون كرة القدم، بل لأنَّهم يحبون في أعماقهم ألَّا يكونوا خارج الحكاية. يريد الإنسان أنْ يشارك الآخرين حديثهم، فرحتهم، انتظارهم حتى وإنْ لم يكن مشجعًا حقيقيًّا. لذلك يتابع كثيرُون البطولة لا لأنَّهم خبراء في اللعبة، ولكن لأنَّهم لا يريدُون أنْ يفوتهم الشعور الذي يعيشه العالم كله.
وهنا تكمن خصوصيَّة كأس العالم، فهو يجمع ثلاثة انتماءات في لحظةٍ واحدةٍ: الانتماء للوطن حين يلعب منتخبك، والانتماء للعالم حين تتابع بقيَّة المباريات بالشَّغف نفسه، والانتماء للَّحظة التي يعيشها مليارات البشر في الوقت ذاته. اجتماعٌ نادرٌ لا تصنعه بطولة أخرى.
الأفكار كثيرًا ما قسمت البشر والسياسة، رفعت بينهم الأسوار والمصالح، غيَّرت وجوه الحلفاء أمام كرة تتدحرج فوق عشب أخضر، فقد استطاعت لأيام قليلة أنْ تفتح نوافذ بين القلوب. فربما الذي كان يتدحرج بين القارات لم يكن الكرة وحدها، بل كان شعورًا قديمًا بالانتماء ظل الإنسان يبحث عنه منذ أن عرف معنى الجماعة.
ولهذا حين تنطفئ أضواء الملاعب، لا يبقى في الذاكرة الهدف الأخير، بقدر ما يبقى من شاركنا لحظة انتظاره. فالذاكرة لا تحفظ الكرة... بل تحفظ القلوب التي نبضت حولها، وهذا هو السر الذي لم تستطع أي نظريَّة أنْ تفسِّره كاملًا، فكأس العالم ليس أعظم حدث لأنَّ كرة القدم هي اللعبة الأكثر شعبيَّة، بل لأنَّه يذكِّر الإنسان مرَّة كل أربع سنوات بحقيقة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد، وهي أنَّنا مهما اختلفت أوطاننا ولغاتنا واهتماماتنا، لا نزال نبحث عن اللَّحظة التي يخفق فيها قلب كل واحدٍ منَّا... مع قلوب الآخرِين.