منتدى
بشوت «مستعارة»
تاريخ النشر: 22 يوليو 2026 23:16 KSA
في عتمة الأزمات الخانقة، حيث تُختبر المعادن، وتُباع وتُشترى المواقف، هناك دائمًا فئة نادرة تعمل في الظلِّ؛ رجالٌ يذوبُون بصمت، يقدِّمُون تضحياتٍ جسامًا لحفظ كيان المجتمع، وحماية أمنه واستقراره، يفرُّون من الأضواء فرارهم من الوباء، ويسكبُون عرقهم وراحتهم بلا مقابل. لكن، ما إن تضع المواقف أوزارها، وتنقشع غيوم الشَّدائد، وتعود الطمأنينة إلى المجالس والمحافل، حتى تبدأ فصول مسرحيَّة اجتماعيَّة غريبة ومربكة، مسرحيَّة يغادر خشبتها الأبطال الحقيقيُّون بوقارهم المعهود، ليقتحمها بصخب أولئك الذين أتقنُوا فن الانتظار خلف الستائر المغلقة، والصيد الثَّمين في المياه الرَّاكدة.
هؤلاء هم «قنَّاصُو الفرص» وأدعياء المكانة الذين يملكُون حاسَّة سادسة فريدة، لا للتضحية، بل لمعرفة التوقيت الدقيق للظهور العلنيِّ. يخرجُون من مخابئهم فجأةً في اللَّحظة التي يجفُّ فيها عرق الكادحين وتنتهي فصول الشَّقاء، ليتصدَّرُوا المشهد العام ويقطفُوا ثمارًا ناضجةً لم يغرسُوا في أرضها شتلةً واحدةً. إنَّنا أمام ظاهرة متسارعة لـ»تجار الألقاب الوهميَّة»، شريحة من البشر تبحث بلهاث مستميت عن رفعة اجتماعيَّة، ومسمَّيات رنَّانة، ومناصب شرفيَّة تفوق بكثير حجم أفعالهم وتاريخهم الحقيقي. يستغل هؤلاء مناخ الرَّخاء والسلم لتقديم أنفسهم كأوصياء شرعيِّين ورموز طارئة، يتسابقُون بشغفٍ مرضي على صدارة المجالس، وينسبُون بطولات الإصلاح والتنمية المُضنية إلى ذواتهم الفارغة.
المفارقة النفسيَّة والسلوكيَّة الفاضحة لهؤلاء الباحثين عن الوجاهة المصطنعة، تكمنُ في ذلك الانفصام الحاد بين القناع والوجه الحقيقي، فلو فتَّشت بدقَّة في سجلاتهم التاريخيَّة، لن تجد لهم موقفًا واحدًا يُذكر في حل نزاع قبليٍّ، أو عائليٍّ، أو مجتمعيِّ مستعصٍ، ولن تسجل لهم الذاكرة الجمعيَّة «فزعة» صادقةً واحدةً في لحظةٍ عسرةٍ، وضيقٍ ماليٍّ، أو معنويٍّ. حضورهم كله يختصر في «بشت فاخر» يُرتدى في المناسبات الكُبرى، ورسميَّات جوفاء، وتزلُّف ممجوج يعتمد على استعراض المظاهر الخدَّاعة، والنَّفخ في السَّراب، والتقاط الصُّور في الصُّفوف الأولى. وفي المقابل، ينكفئ الكبار الحقيقيُّون والرجال الصادقُون إلى عزلتهم ترفُّعًا عن مجاراة هذا الصَّخب الزَّائف، تاركين السَّاحة لرموز مصنوعة من ورق هش.
لكن المأساة الحقيقيَّة هنا لا تتوقَّف عند سرقة الأضواء والمنابر، بل في السُّموم التي تبثها هذه الظاهرة في وعي الأجيال الجديدة. فعندما يرى الشَّباب الناشئ أنَّ هؤلاء الانتهازيِّين يتصدَّرُون سجلات الثَّناء والوجاهة دون أدنى عناء، ينبت في عقولهم مفهوم مشوًّه؛ بأنَّ الرِّفعة والمكانة تُنال بالمتاجرة بجهود الآخرِين، والتسويق الإعلاميِّ، واستعراض المظاهر، لا بالبذل والتَّضحية والثَّبات على المواقف الأصيلة النابعة من عمق المعدن. ومع كل هذا الصَّخب، يظلُّ هذا الحضور واهنًا كبيت العنكبوت، فالأيَّام لا تظلمُ أحدًا، وهي كفيلة دائمًا بغربلة الوجوه، وفرز المعادن. المواقف الصَّعبة لا تقبلُ التَّزوير، والنَّاس بفطرتهم النقيَّة يفرِّقُون جيدًا بين من هو أصيل بأفعاله ونقاوة مخبره، وبين مدَّعٍ للوجاهة بلقب مفرغ من المصداقيَّة، لتسقط الأقنعة المستعارة مع أوَّل اختبار حقيقيٍّ ومحكٍ فاصلٍ، وتتلاشى الألقاب الوهميَّة، وتبقى أسماء المخلصِين الصادقِين وحدهم محفورة بمداد من نور في وجدان الأرض والتاريخ الأصيل.
هؤلاء هم «قنَّاصُو الفرص» وأدعياء المكانة الذين يملكُون حاسَّة سادسة فريدة، لا للتضحية، بل لمعرفة التوقيت الدقيق للظهور العلنيِّ. يخرجُون من مخابئهم فجأةً في اللَّحظة التي يجفُّ فيها عرق الكادحين وتنتهي فصول الشَّقاء، ليتصدَّرُوا المشهد العام ويقطفُوا ثمارًا ناضجةً لم يغرسُوا في أرضها شتلةً واحدةً. إنَّنا أمام ظاهرة متسارعة لـ»تجار الألقاب الوهميَّة»، شريحة من البشر تبحث بلهاث مستميت عن رفعة اجتماعيَّة، ومسمَّيات رنَّانة، ومناصب شرفيَّة تفوق بكثير حجم أفعالهم وتاريخهم الحقيقي. يستغل هؤلاء مناخ الرَّخاء والسلم لتقديم أنفسهم كأوصياء شرعيِّين ورموز طارئة، يتسابقُون بشغفٍ مرضي على صدارة المجالس، وينسبُون بطولات الإصلاح والتنمية المُضنية إلى ذواتهم الفارغة.
المفارقة النفسيَّة والسلوكيَّة الفاضحة لهؤلاء الباحثين عن الوجاهة المصطنعة، تكمنُ في ذلك الانفصام الحاد بين القناع والوجه الحقيقي، فلو فتَّشت بدقَّة في سجلاتهم التاريخيَّة، لن تجد لهم موقفًا واحدًا يُذكر في حل نزاع قبليٍّ، أو عائليٍّ، أو مجتمعيِّ مستعصٍ، ولن تسجل لهم الذاكرة الجمعيَّة «فزعة» صادقةً واحدةً في لحظةٍ عسرةٍ، وضيقٍ ماليٍّ، أو معنويٍّ. حضورهم كله يختصر في «بشت فاخر» يُرتدى في المناسبات الكُبرى، ورسميَّات جوفاء، وتزلُّف ممجوج يعتمد على استعراض المظاهر الخدَّاعة، والنَّفخ في السَّراب، والتقاط الصُّور في الصُّفوف الأولى. وفي المقابل، ينكفئ الكبار الحقيقيُّون والرجال الصادقُون إلى عزلتهم ترفُّعًا عن مجاراة هذا الصَّخب الزَّائف، تاركين السَّاحة لرموز مصنوعة من ورق هش.
لكن المأساة الحقيقيَّة هنا لا تتوقَّف عند سرقة الأضواء والمنابر، بل في السُّموم التي تبثها هذه الظاهرة في وعي الأجيال الجديدة. فعندما يرى الشَّباب الناشئ أنَّ هؤلاء الانتهازيِّين يتصدَّرُون سجلات الثَّناء والوجاهة دون أدنى عناء، ينبت في عقولهم مفهوم مشوًّه؛ بأنَّ الرِّفعة والمكانة تُنال بالمتاجرة بجهود الآخرِين، والتسويق الإعلاميِّ، واستعراض المظاهر، لا بالبذل والتَّضحية والثَّبات على المواقف الأصيلة النابعة من عمق المعدن. ومع كل هذا الصَّخب، يظلُّ هذا الحضور واهنًا كبيت العنكبوت، فالأيَّام لا تظلمُ أحدًا، وهي كفيلة دائمًا بغربلة الوجوه، وفرز المعادن. المواقف الصَّعبة لا تقبلُ التَّزوير، والنَّاس بفطرتهم النقيَّة يفرِّقُون جيدًا بين من هو أصيل بأفعاله ونقاوة مخبره، وبين مدَّعٍ للوجاهة بلقب مفرغ من المصداقيَّة، لتسقط الأقنعة المستعارة مع أوَّل اختبار حقيقيٍّ ومحكٍ فاصلٍ، وتتلاشى الألقاب الوهميَّة، وتبقى أسماء المخلصِين الصادقِين وحدهم محفورة بمداد من نور في وجدان الأرض والتاريخ الأصيل.