منتدى

الجريمة التي لا تحتاج نتيجة

الجريمة التي لا تحتاج نتيجة
من أخطر صور الفساد، تلك التي لا تُرتكب داخل المكاتب الحكوميَّة، ولا تصدر من صاحب القرار نفسه، وإنَّما تبدأ بشخصٍ يُوهم الآخرِين بقدرته على التأثير في قرار صادر عن سلطة عامَّة، مقابل منفعة، أو عوض ماليٍّ. فهذه الممارسات، التي يصفها النِّظامُ بـ»استعمال النفوذ الحقيقي أو المزعوم»، تمثِّل اعتداءً مباشرًا على نزاهة القرار العام، وثقة المجتمع في مؤسَّسات الدولة.
وقد عالج المُنظِّم السعوديُّ هذا السلوك في المادة الخامسة من نظام مكافحة الرشوة، التي تجرِّم كلَّ مَن يطلبُ، أو يقبلُ، أو يأخذُ عطيةً، أو وعدًا بها مقابل استعمال نفوذه الحقيقيِّ أو المزعوم للحصول، أو محاولة الحصول، من أيِّ سلطة عامَّة على عملٍ، أو قرارٍ، أو ترخيصٍ، أو اتفاقِ توريدٍ، أو مقاولة، أو وظيفة، أو خدمة، أو أي مزية أُخْرى.

وتكمن أهميَّة هذا النصِّ في أنَّه يجرِّم الاتجار بالنفوذ ذاته، لا مجرَّد تحقيق النتيجة، فالجريمة تقوم متى ارتبط المقابلُ بادِّعاء القدرة على التأثير في القرار العام، سواء كان النفوذ حقيقيًّا أم مزعومًا، وسواء تحقَّق الغرضُ المقصودُ أم لم يتحقَّق.
ولم يكتفِ المنظِّم بتجريم هذا السلوك، بل قرَّر له عقوبة تصل إلى السجن مدة لا تتجاوز عشر سنوات، وغرامة لا تزيد على مليون ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتَين، بما يعكس خطورة المتاجرة بالنفوذ، وأثرها في الإضرار بنزاهة القرار العام، وتكافؤ الفرص.

ومن المهم التَّمييز بين استغلال النفوذ، واستغلال السلطة؛ فالأوَّل يقومُ على الاتجار بالنفوذ، أو ادِّعاء القدرة على التأثير في القرار العام مقابل منفعة، بينما يتعلَّق الثاني بإساءة الموظَّف العام استعمال صلاحيَّاته الوظيفيَّة لتحقيق مصلحة خاصَّة، ويترتب على هذا التَّمييز اختلاف في التَّكييف الجنائيِّ، وعناصر الإثبات، ومسار الدَّعوى.
إنَّ حماية نزاهة القرار العام، لا تقتصر على ملاحقة مَن يسيء استعمال سلطته، بل تمتدُّ إلى كلِّ مَن يحاول تحويل النفوذ، أو العلاقات، أو المكانة الاجتماعيَّة إلى وسيلة للكسب غير المشروع، ولهذا جاءت المادة الخامسة لتؤكِّد أنَّ القرار العام ليس محلًّا للوساطة المدفوعة، أو المتاجرة بالنفوذ، وأنَّ الثقة في مؤسَّسات الدولة لا تقل أهميَّة عن حماية المال العام، كما أنَّ الوعي بهذه الأحكام يسهم في الوقاية من الوقوع في مسؤوليَّة جنائيَّة، ويعزِّز ثقافة النزاهة التي تمثِّل أحد المرتكزات الأساسيَّة لرُؤية السعوديَّة 2030.
محامٍ ومستشارٌ قانونيٌّ

أخبار ذات صلة

عقد من التحول.. من 45 دولة تستهدف سائحنا إلى 122 مليون زائر عندنا
عقد من التحول.. من 45 دولة تستهدف سائحنا إلى 122 مليون زائر عندنا
ما لا يراه الناس خلف البحث العلمي
ما لا يراه الناس خلف البحث العلمي
من أوائل مالكي السيارات في ينبع قديمًا
من أوائل مالكي السيارات في ينبع قديمًا
تعلم الهدوء
تعلم الهدوء
;
برجس.. من قسوة الجبال إلى رحابة مكة
برجس.. من قسوة الجبال إلى رحابة مكة
قراءة في الجلسة الحوارية لمعالي وزير التجارة "منظومة التجارة في مسار الرؤية"
قراءة في الجلسة الحوارية لمعالي وزير التجارة "منظومة التجارة في مسار الرؤية"
نجاح مبهر في مبادرة "المُزارع الصغير" ببريدة
نجاح مبهر في مبادرة "المُزارع الصغير" ببريدة
الحوثي أخطأ في قراءة السعودية
الحوثي أخطأ في قراءة السعودية
;
عندما يتحول السلم الأمريكي إلى مورد
عندما يتحول السلم الأمريكي إلى مورد
رحل عبدالله البلادي.. رجل العطاء
رحل عبدالله البلادي.. رجل العطاء
لا تختصروا مستقبلهم في اختبار
شارة الكابتن في الهلال.. هل حان الوقت لتغادر إطارها المحلي؟
شارة الكابتن في الهلال.. هل حان الوقت لتغادر إطارها المحلي؟
;
سعيد العنقري.. سيرة وفاء ومدرسة أبناء
سعيد العنقري.. سيرة وفاء ومدرسة أبناء
الألم والأمل في المنظمات
الألم والأمل في المنظمات
الجهود السعودية في فصل التوائم أمر مثير للإعجاب
الجهود السعودية في فصل التوائم أمر مثير للإعجاب
اللهم أعطني فوق الصبر صبرًا
اللهم أعطني فوق الصبر صبرًا