منتدى

عندما تصدأ البوصلة

عندما تصدأ البوصلة
في صدره، منذ كان طفلًا يرتجفُ من عتمة الغرفة، وُضعت بوصلة. لم تُشترَ من سوق، ولم يصنعها حدَّاد. زُرعت هناك خفيَّة، تنبض كلَّما مال قلبُه ميلًا. كانت إبرتها خفيفةً كجناح فراشة، إذا كذب ارتجفت نحو الشمال تهمس: ارجع، وإذا واسى مكسورًا دفئت حتَّى كادت تحرقه من فرط الحنان.
كبر الرَّجل، ولبس على صدره دروعًا اسمها الضرورة، وحمل على كتفيه أكياسًا ثِقالًا اسمها الكل يفعلها. وكلَّما خطا خطوةً، كانت قدماه تثيران غبارًا خفيًّا لا يُرَى بالعين... غبار التَّبرير. غبار يتراكم بهدوءٍ حتى يغطِّي كلَّ شيءٍ.

وذات ليلةٍ، وهو يرقِّع كذبة صغيرة بخيوط الأعذار، سمع في صدره خرخشةً خافتةً. وضع يده وقلبه يرتجفُ. كانت البوصلة هناك، لكنَّ بريقها قد خَبَا. غشَّاها غبارٌ رماديٌّ كثيفٌ، وتحت الغبار كان الصدأ يأكلها بصمتٍ، كما يأكل النِّسيان القلب قطعةً قطعةً.
همست له بصوت متعب كأنَّها عائدة من سفر طويل: نسيتني. فارتعدَ وارتجفَ، وتذكَّر جملةً قرأها مصادفةً على جدار مهجور: الحديد لا يصدأ من مطرة واحدة، إنَّما يصدأ من قطرة تتركها على ظهره وتنام.

منذ تلك الليلة، صار له عهد لا يُخلف. كلَّما انطفأت أنوار البيت، وسكنت المدينة، جلس على حافَّة سريره، وأخرج بوصلة صدره بتخيُّله، ومسح عنها الغبار بأطراف أصابعه المرتعشة. يسألها سؤالًا واحدًا حادًّا كسيفٍ لا يرحم: اليوم... إلى أينَ ملتِ؟
أوَّل الأيام كذبت عليه، كما كان يكذب على نفسه لسنوات. ثم سكتت حياءً وخجلًا. ثمَّ في ليلةٍ من الليالي ارتجفت الإبرة رجفةً خجلَى نحو الشمال، فسالت من عينه دمعةٌ لم يعرف لها اسمًا، ولا سببًا.
وفي الغد ذهب إلى رجلٍ كسر خاطره بكلمة قبل شهور. لم يخطب، ولم يبرر، ولم يزخرف الكلام. وقف أمامه وقالها بصدقٍ يوجعٍ: سامحنِي، ثقلت عليك. وعندما عاد إلى بيته، وضع يده على صدره فوجد البوصلة دافئةً، كأنَّ يدًا رحيمةً مرَّت عليها بقطعة قماش اسمها الفعل.
هناك، في تلك اللَّحظة، فهم أخيرًا السرَّ الذي تأخَّر عنه كثيرًا: الضميرُ لا يموتُ أبدًا. هو فقط يتعبُ من الصُّراخ في وادٍ لا يجيب، ويختنقُ شيئًا فشيئًا تحت ركام الأعذار التي نرميها عليه كل يوم بلا رحمة.
واليوم بوصلة الرَّجل ما زالت تحملُ خدوشًا كثيرةً. ما زال يغفل أحيانًا فيترك عليها أثر أصابعه وبصمة إهماله. لكنَّه تعلم الدرس الذي لا يُباع ولا يُشترى: البوصلة لا تحتاج أنْ تولد من ذهبٍ خالصٍ؛ كي تدلك على الطَّريق، يكفي أنْ تمرَّ عليها كلَّ ليلة بيدٍ صادقةٍ تمسح عنها غبار اليوم قبل أنْ تنام.
فالطريق بلا بوصلة، حتى لو كان مفروشًا بالحرير والورود، نهايته الحتميَّة متاهة. والقلب بلا وخز، حتى لو ضحك ملء فمه، هو قلبٌ ميتٌ.

أخبار ذات صلة

عقد من التحول.. من 45 دولة تستهدف سائحنا إلى 122 مليون زائر عندنا
عقد من التحول.. من 45 دولة تستهدف سائحنا إلى 122 مليون زائر عندنا
ما لا يراه الناس خلف البحث العلمي
ما لا يراه الناس خلف البحث العلمي
من أوائل مالكي السيارات في ينبع قديمًا
من أوائل مالكي السيارات في ينبع قديمًا
تعلم الهدوء
تعلم الهدوء
;
برجس.. من قسوة الجبال إلى رحابة مكة
برجس.. من قسوة الجبال إلى رحابة مكة
قراءة في الجلسة الحوارية لمعالي وزير التجارة "منظومة التجارة في مسار الرؤية"
قراءة في الجلسة الحوارية لمعالي وزير التجارة "منظومة التجارة في مسار الرؤية"
نجاح مبهر في مبادرة "المُزارع الصغير" ببريدة
نجاح مبهر في مبادرة "المُزارع الصغير" ببريدة
الحوثي أخطأ في قراءة السعودية
الحوثي أخطأ في قراءة السعودية
;
عندما يتحول السلم الأمريكي إلى مورد
عندما يتحول السلم الأمريكي إلى مورد
رحل عبدالله البلادي.. رجل العطاء
رحل عبدالله البلادي.. رجل العطاء
لا تختصروا مستقبلهم في اختبار
شارة الكابتن في الهلال.. هل حان الوقت لتغادر إطارها المحلي؟
شارة الكابتن في الهلال.. هل حان الوقت لتغادر إطارها المحلي؟
;
سعيد العنقري.. سيرة وفاء ومدرسة أبناء
سعيد العنقري.. سيرة وفاء ومدرسة أبناء
الألم والأمل في المنظمات
الألم والأمل في المنظمات
الجهود السعودية في فصل التوائم أمر مثير للإعجاب
الجهود السعودية في فصل التوائم أمر مثير للإعجاب
اللهم أعطني فوق الصبر صبرًا
اللهم أعطني فوق الصبر صبرًا