منتدى

إرث من القيم من جيل الآباء والأمهات

إرث من القيم من جيل الآباء والأمهات
هناك أزمنة لا تُقاس بعدد سنواتها، بل بما تركته في أرواحنا من دفء، وبما زرعته في قلوبنا من قيم، وبما منحته لنا من ذكريات كلما ابتعدنا عنها، اقتربت منا أكثر.
نحن أبناء ذلك الزمن... الزمن الذي كانت فيه السعادة صغيرة الحجم، لكنها كبيرة الأثر.

كان يكفي أن يختارك المعلم لتحمل طباشيرًا أو ورقةً إلى فصلٍ آخر، فتسير في ممرات المدرسة بخطوات الواثق، وتشعر أنك تحمل رسالةً لا تقل أهمية عن رسالة سفير أو مبعوث. لم تكن المهمة كبيرة، لكن الشعور كان أكبر من أعمارنا.
كنا نمشي إلى مدارسنا تحت شمس الصباح، ونعود في عز الظهيرة، نحمل حقائب أثقل من أجسادنا أحيانًا، لكننا لم نحمل يومًا شكوى في قلوبنا. كانت الطريق جزءًا من الحكاية، نضحك فيها، ونتسابق، ونحفظ أسماء البيوت والأشجار، حتى أصبحت جزءًا من ذاكرتنا.

كان الكتاب المدرسي عالمنا الوحيد. نقرأه من أوله إلى آخره، فلا ملخصات تختصر المعرفة، ولا دروس خصوصية تختصر الجهد، ولا اختبارات تعتمد على الحظ. كنا نؤمن أن النجاح يُصنع بالتعب، وأن التعب لا يضيع.
تعلمنا الوقوف أمام السبورة بثبات، وإن أخطأنا صححنا خطأنا أمام الجميع، فكبرت ثقتنا بأنفسنا قبل أن تكبر درجاتنا. وكانت عبارة: “اكتب الدرس عشر مرات” عقوبةً يومًا، ثم أدركنا بعد سنوات أنها كانت تدريبًا على الصبر والانضباط.
مدارسنا لم تكن فصولًا فقط، بل كانت مسارح، وإذاعات صباحية، ومجلات حائطية، وملاعب، ومسابقات، وأماكن تصنع الشخصية قبل أن تمنح الشهادة.
لم ندخل المدرسة بهواتفنا، ولم نعرف العزلة خلف الشاشات. كنا نحفظ وجوه زملائنا أكثر مما نحفظ كلمات المرور، وننتظر الفسحة لنلتقي، لا لننظر إلى شاشات صغيرة.
ولم يكن آباؤنا يدرسون بدلًا منا، ولا يكتبون واجباتنا، بل كانوا يعلموننا أن النجاح مسؤوليتنا، وأن الطريق إلى القمة لا يمشيه أحد نيابةً عنا.
كبرنا ونحن نُجلّ والدينا، ونوقر معلمينا، ونحترم الكبير، ونعرف أن للكلمة وزنًا، وللوعد قيمة، وللجار حقًا، وللصديق مكانة لا تُشترى.
كنا نركض في الحارات حتى تغيب الشمس، ثم نعود إلى بيوتنا دون خوف. كانت الشوارع تعرف أسماءنا، وكانت البيوت تعرف أبناء الحي جميعًا، وكان الأمان يسكن المكان قبل أن يُكتب على اللوحات.
وحين تنقطع الكهرباء، لم يكن الليل ينطفئ. كنا نجتمع في فناء المنزل، نتبادل الحكايات، ونضحك من القلب، ونرفع رؤوسنا إلى السماء، نراقب النجوم، وننتظر مرور الطائرة فنلوح لها بأيدينا، وكأنها ترانا وتبادلنا التحية.
لم تكن حياتنا مثالية، لكنها كانت حقيقية. عرفنا التعب، وعرفنا البساطة، وعرفنا القناعة، وعرفنا أن أجمل الأشياء ليست دائمًا أغلاها.
واليوم... كلما ازدحمت الحياة بالتقنيات، ازداد الحنين إلى تلك الأيام التي كانت أقل إمكانات، لكنها أكثر دفئًا، وأغنى بالمحبة، وأوسع بالأمان.
لسنا نقول إن زماننا كان كاملًا، فالكمال ليس من صفات الدنيا، لكننا نحمد الله أننا عشنا زمنًا كانت فيه العلاقات أصدق، والقلوب أقرب، والابتسامات عفوية، والقيم تُمارس قبل أن تُكتب.
إلى أبناء جيلنا... الذين ما زالوا يبتسمون كلما مرّت أمامهم رائحة الطباشير، أو سمعوا جرس المدرسة، أو رأوا صورة لفصلٍ قديم... وإلى أبنائنا وأحفادنا... هذه ليست مجرد ذكريات نرويها، بل إرثٌ من القيم نرجو أن يبقى حيًا في نفوس الأجيال، لأن الإنسان لا يصنعه ما يملكه، بل ما يحمله في قلبه من أخلاق، وفي ذاكرته من مواقف وفي حياته من مبادئ؛ وتسلمون.

أخبار ذات صلة

الجينوم البشري.. خريطة المستقبل الطبي بين الصحة والمرض
الجينوم البشري.. خريطة المستقبل الطبي بين الصحة والمرض
قلة الكلام مع طول البال
قلة الكلام مع طول البال
أربعون عامًا من العطاء.. وتبوك تحتفي بعودة أميرها سالماً
أربعون عامًا من العطاء.. وتبوك تحتفي بعودة أميرها سالماً
الباب الذي لم يُفتح!
الباب الذي لم يُفتح!
;
عندما تصدأ البوصلة
عندما تصدأ البوصلة
اللعبة السياسية.. قواعد الاستمرار لا الانتصار
اللعبة السياسية.. قواعد الاستمرار لا الانتصار
الجريمة التي لا تحتاج نتيجة
الجريمة التي لا تحتاج نتيجة
لمن نذهب وقت الضيق؟
;
بشوت «مستعارة»
بشوت «مستعارة»
الفتوى حسب الرغبة!!
الشباب المكيُّون والنادي المنسي
الشباب المكيُّون والنادي المنسي
عندما يصبح المواطن خط الدفاع الأول
عندما يصبح المواطن خط الدفاع الأول
;
بطلان بنود الإذعان المخالفة للمادة (8) من نظام العمل
بطلان بنود الإذعان المخالفة للمادة (8) من نظام العمل
“يشرفني دعوتكم لحضور حفل زواجي...”
“يشرفني دعوتكم لحضور حفل زواجي...”
من يراجع قرارات التشجير؟
من يراجع قرارات التشجير؟
هالاند.. شخصية خرجت من صفحات الروايات
هالاند.. شخصية خرجت من صفحات الروايات