منتدى

البنيان وهندسة التعليم: من "البيروقراطية" إلى "صناعة الإنسان"

البنيان وهندسة التعليم: من "البيروقراطية" إلى "صناعة الإنسان"
أنْ تقودَ وزارة التعليم في مرحلة مفصليَّة من تاريخ المملكة، يعني أنَّك لا تواجه ملفَّات إداريَّة يوميَّة فحسب، بل تقفُ وجهًا لوجهٍ أمام إرثٍ ثقيلٍ وتكتلاتٍ بيروقراطيَّة تراكمت عبر عقودٍ.
معالي الوزير يوسف البنيان، لم يأتِ لإجراء تعديلات طفيفةٍ، أو مساحيق تجميليَّة على جسد التعليم، بل جاء ليعيد صياغة الهويَّة التشريعيَّة للمنظومة بأكملها، من رياض الأطفال، حتى نهاية المرحلة الثانويَّة. ومن وسط عواصف التَّغيير وجدل الفصول الدراسيَّة، برزت فلسفة جديدة تنبذ الرُّوتين وتتمسَّك بالجودة، ممهِّدةً الطريق لجيل يواكب طموح الرُّؤية الوطنيَّة.

استلم البنيان الحقيبة الوزاريَّة في توقيتٍ حرج، وتصدَّى للمهمَّة الأصعب: تفكيك العشوائيَّة، ومكافحة الأدلجة، وإنهاء اختطاف القرار التعليميِّ الذي عانت منه المنظومةُ لسنواتٍ. تمثَّلت أولى خطواتِهِ في إحداث ثورة تشريعيَّة غير مسبوقةٍ؛ بإقرار نظامٍ متكاملٍ يحوكم التعليم العام من الحضانة، وحتَّى الصف الثاني عشر -لأوَّل مرَّة-. هذا النظامُ أرسى مفهومَ 'دولة القانون التعليمي'، حيث حُدِّدت بصرامة حقوق وواجبات الطَّالب، المعلِّم، ولي الأمر، والمدرسة؛ ممَّا أغلق الباب أمام الاجتهادات الفرديَّة والقرارات الارتجاليَّة.
لم تعد الوزارةُ مركزًا لإدارة شؤون المدارس الصَّغيرة والكبيرة؛ بل جرى تحويل البوصلة نحو لا مركزيَّة القرار، ومنح إدارات المناطق والمدارس صلاحيَّات حقيقيَّة تسمح لها بمرونة التحرُّك وفق احتياجاتها المحليَّة. وفي سياق متَّصل، حُسم الجدل الدائر حول الفصول الدراسيَّة بالعودة لنظام الفصلين، في رسالةٍ واضحةٍ مفادُها: 'العبرةُ بالكيفِ لا بالكَمِّ'، وأنَّ الجودة الحقيقيَّة تكمنُ في كفاءة المعلِّم والمنهج، وليس في عدد الأيام والفصول.

لقد تحوَّلت لغة التعليم اليوم إلى مصطلحات اقتصاديَّة وتنمويَّة بامتياز؛ فأصبحنا نتحدَّث عن 'نواتج التعلُّم'، 'قياس الأداء'، و'المواءمة مع سوق العمل'. تجسَّد ذلك في مأسَّسة المهارات الرقميَّة، الذكاء الاصطناعي، التفكير الناقد، والتوسُّع الذكي في نظام 'المسارات' الثانويَّة. كما صاغت الوزارة إطارًا منضبطًا يتيح للقطاعَين الأهليِّ وغير الربحيِّ الاستثمار في التعليم، تحت رقابة حكوميَّة صارمة؛ لضمان مخرجات بشريَّة قادرة على قيادة اقتصاد المعرفة.
الملف الأخير: المنظومةُ لا تطيرُ بجناحٍ واحدٍ؛ ولأنَّ هذا الطُّموح يعانقُ السَّماء؛ ولأنَّنا نتفاءلُ بوجود عقليَّة تطويريَّة كعقليَّةِ يوسف البنيان، فإنَّ قطار التَّطوير لا يمكن أنْ يصل لغايته دون حسم الملفِّ الأهم: الإدارات والقيادات الوسطى داخل الوزارة وخارجها.
إنَّ نجاح الخطط الإستراتيجيَّة الشجاعة يتطلَّب كفاءات تنفيذيَّة تؤمنُ بذات الفكر. لا تزال بعض المقاعد يشغلها مَن يفتقر للمعرفة الرقميَّة والتربويَّة الحديثة، مستندِين على تكتلات ودعم قديم يعطِّل روح العصر. التعليم اليوم في أمسِّ الحاجة إلى إحلال شامل يتولَّى فيه 'الأصلحُ والأجدرُ' فقط المسؤوليَّة؛ لتتواكب السَّواعد التنفيذيَّة مع الرُّؤية القياديَّة العُليا. لقد نجح يوسف البنيان في تغيير فلسفة التعليم، وتحويل الأمل إلى واقع تشريعيٍّ، واليوم ننتظر منه حسم ملف الكفاءات الإداريَّة لتكتمل اللَّوحة، ويسير التعليم بجناحَين قويَّين نحو المستقبل.

أخبار ذات صلة

عقد من التحول.. من 45 دولة تستهدف سائحنا إلى 122 مليون زائر عندنا
عقد من التحول.. من 45 دولة تستهدف سائحنا إلى 122 مليون زائر عندنا
ما لا يراه الناس خلف البحث العلمي
ما لا يراه الناس خلف البحث العلمي
من أوائل مالكي السيارات في ينبع قديمًا
من أوائل مالكي السيارات في ينبع قديمًا
تعلم الهدوء
تعلم الهدوء
;
برجس.. من قسوة الجبال إلى رحابة مكة
برجس.. من قسوة الجبال إلى رحابة مكة
قراءة في الجلسة الحوارية لمعالي وزير التجارة "منظومة التجارة في مسار الرؤية"
قراءة في الجلسة الحوارية لمعالي وزير التجارة "منظومة التجارة في مسار الرؤية"
نجاح مبهر في مبادرة "المُزارع الصغير" ببريدة
نجاح مبهر في مبادرة "المُزارع الصغير" ببريدة
الحوثي أخطأ في قراءة السعودية
الحوثي أخطأ في قراءة السعودية
;
عندما يتحول السلم الأمريكي إلى مورد
عندما يتحول السلم الأمريكي إلى مورد
رحل عبدالله البلادي.. رجل العطاء
رحل عبدالله البلادي.. رجل العطاء
لا تختصروا مستقبلهم في اختبار
شارة الكابتن في الهلال.. هل حان الوقت لتغادر إطارها المحلي؟
شارة الكابتن في الهلال.. هل حان الوقت لتغادر إطارها المحلي؟
;
سعيد العنقري.. سيرة وفاء ومدرسة أبناء
سعيد العنقري.. سيرة وفاء ومدرسة أبناء
الألم والأمل في المنظمات
الألم والأمل في المنظمات
الجهود السعودية في فصل التوائم أمر مثير للإعجاب
الجهود السعودية في فصل التوائم أمر مثير للإعجاب
اللهم أعطني فوق الصبر صبرًا
اللهم أعطني فوق الصبر صبرًا