نحنُ لا نرى الأشياء دائمًا كما هي.
قد تبدُو لنا الحقيقة واضحةً، فنطمئن إلى أنَّنا فهمنا ما حدث، ثمَّ نكتشفُ -بعدَ وقتٍ- أنَّ الصُّورة التي استقرَّت في أذهاننا كانت تحملُ شيئًا منَّا أكثر ممَّا تحمل من الواقع.
قد نرى في موقفٍ عابرٍ إساءةً لا تُغتفر، بينما يراه الطَّرفُ الآخرُ مجرَّد سوءِ فهم. وقد نرى في شخصٍ نحبُّه صفاتٍ ربَّما لم تكن فيه أصلًا، فقط لأنَّنا أحببناهُ. وأحيانًا نُقنِع أنفسنَا بأنّ قرارًا اتَّخذناهُ كان صائبًا، حتى بعد أنْ تبدأ نتائجه في إخبارنا بغير ذلك.
الرَّغبة أحيانًا لا تغيِّر الأشياء، لكنَّها تغيِّر الطريقة التي ننظرُ بها إليها.
قد ننتظرُ خبرًا نتمنَّاه، فنقرأ في كلِّ إشارة ما يؤكِّد أنَّه قادمٌ. كلمة عابرة تصبح عندنا وعدًا، ونظرة عاديَّة تتحوَّل إلى معنى، وتأخُّر بسيط يصبح في أذهانِنَا علامةً. ليس لأنَّ الحقيقة قالت ذلك، وإنَّما لأنَّنا كنَّا نريد لها أن تقول.
ولهذا قد يقفُ شخصان أمام الموقف نفسه، ثمَّ يعود كلٌّ واحد منهما بروايةٍ مختلفةٍ. أحدُهما رأى فرصةً، والآخرُ رأى خطرًا. لم يتغيَّر الموقفُ، الذي تغيَّر هو الإنسانُ الذي وقف أمامه.
وفي العلاقات الإنسانيَّة، يصبح الأمرُ أكثر وضوحًا. حين نحبُّ، قد نرى الشَّخص كما نتمنَّى أنْ يكون، لا كما هو. وحين نختلفُ معه، قد نسمحُ لموقفٍ واحدٍ أنْ يختصرَه كله. ننسى سنواتٍ من المواقف الطَّيبة؛ لأنَّ لحظةً واحدةً لم تعجبنا.
نحنُ أحيانًا لا نرى الإنسان نفسه، بل نرى الصُّورة التي صنعناها عنه.
حتَّى الماضي لا يبقى كما حدث. نحنُ لا نستعيده كاملًا، وإنَّما نستعيد ما بقي منه فينا. بعض الأيَّام نمنحها -مع مرور الوقت- جَمَالًا لم يكن فيها، وبعض المواقف نعيدُ تفسيرها حتَّى تصبح أكثرَ قسوةً ممَّا كانت عليه.
وهنا تكمنُ مفارقة غريبة: الحقيقةُ حدثٌ مضى، أمَّا الذاكرةُ فهي ما بَقِي منه فينا.
وربَّما نمارسُ الوهمَ نفسه مع أنفسنا. نحتفظُ بصورة معيَّنة عن شخصيَّاتنا، ثمَّ تأتي الحياة بموقفٍ يكشفُ لنا أنَّنا لسنا دائمًا كما كنَّا نظنُّ. نكتشفُ خوفًا لم نعترف به، أو ضعفًا أخفينَاه، أو شجاعة لم نعرفْ أنَّها موجودةٌ فينا.
قد نعرفُ الحقيقة، لكنَّنا لا نكون مستعدِّينَ للاعترافِ بها. وهذا هو أصعبُ أنواع الوهم:
أنْ تعرف أنَّ علاقةَ ما انتهت، ثمَّ تواصل انتظار عودتها.
أنْ تعرف أنَّ قرارًا لم يكن صائبًا، ثمَّ تبحث عن أسباب للدِّفاع عنه.
أنْ ترى شيئًا يتغيَّر أمامك، لكنَّك تتمسَّك بالصُّورة القديمة؛ لأنَّ التخلِّي عنها يؤلمك.
ربَّما لا تكون المشكلة أنَّنا لم نرَ الحقيقة، وإنَّما أننا رأيناها ولم نردْ أنْ نصدِّقها.
ومع ذلك، لا أظنُّ أنَّ علينا أنْ نخاف من كلِّ وهم. فبعضُ الأحلام تمنحنا القدرة على الاستمرار، وبعضُ الآمال تجعل الطريق أقلَّ قسوةً.
المشكلةُ ليست في أنْ نحلم، وإنَّما في أنْ نخلط بين الحلم والحقيقة. أنْ نطالب الواقع بأنْ يكون كما نريد، ثم نغضب منه؛ لأنه لم يفعل. لذلك ربما نحتاج من وقت إلى آخر أنْ نتذكَّر: الصورة ليست صاحبها، والذِّكرى ليست الحدث، والأمل ليس وعدًا، وما نتمنَّاه ليس بالضَّرورة ما يحدث.
هذه ليست دعوةً إلى أنْ نعيش بلا أمل، ولا إلى أنْ نشكَّ في كلِّ شيءٍ. إنَّها دعوةٌ بسيطةٌ إلى أنْ نترك في داخلنا مساحةً صغيرةً لاحتمال أنْ نكون مخطئِين.
فقد نكتشفُ أنَّ ما كنَّا نراهُ حقيقةً لم يكن سوى صورةٍ صنعناها لأنفسنا، وأنَّ الحقيقة كانت أمامنا طوال الوقت. وربَّما لا يكون أصعب شيءٍ أنْ نجد الحقيقة، بل أنْ نملك الشَّجاعة لنراها عندما لا تشبهُ ما نريد. فأخطرُ الوهمِ أنْ نرى الحقيقةَ أمامنا، ثمَّ نختار ألَّا نراهَا.