في عالم تتعدَّد فيه الحروبُ، وتتَّسع دوائرُ الخوفِ، يبدُو السَّلامُ حاضرًا في الخطابات، وغائبًا عن حياة كثير من البشر. تتوالى الدّعوات إلى إيقاف القتال، وتتكرَّر المساعي الدبلوماسيَّة، لكنَّ الحروبَ تستمرُّ، أو تنتهي في مكانٍ لتبدأ في آخرَ. وبين الرَّغبة المعلنة في السَّلام، وما يجري على الأرض، تبرزُ مفارقةٌ تستحقُّ التأمُّل: كيف حقَّق الإنسانُ هذا القدر من التقدُّم، بينما لا يزال عاجزًا عن حماية حياتهِ من الحروب التي يصنعُها؟
ليست المشكلة أنَّ الإنسانَ يجهلُ عواقبَ الحرب؛ فقد عرف ما تخلِّفه من خرابٍ وفقدانٍ، وما تحتاجُ إليه المجتمعات من سنوات؛ كي تستعيدَ عافيتها. لكنَّ معرفة العواقب لا تكفي دائمًا لتجنُّبها. فقد تدفعُ المخاوفُ والمصالحُ الإنسانَ إلى اختياراتٍ يدرك مخاطرها، ثمَّ يمضي فيها؛ لأنَّه يرى في التَّراجع خطرًا أكبر.
ويظهر هذا التناقضُ في نظرتنا إلى الأمن. فكلُّ طرفٍ يريدُ الاطمئنان إلى قوَّته، لكنَّه قد يغفل أنَّ ما يمنحه الأمان قد يثير الخوف لدى الطَّرف الآخر. وحين يرى كلُّ طرفٍ استعداداتِهِ دفاعًا مشروعًا، واستعداداتِ خصمهِ تهديدًا، يتحوَّل الخوفُ المتبادلُ إلى سباقٍ على القوَّة، وقد تصبح محاولات الحماية نفسها سببًا في زيادة احتمالات المواجهة.
وتتداخلُ في نشوء الحروب المصالحُ المتعارضةُ، والمظالمُ المتراكمةُ، والتنافسُ على النفوذِ، وسوءُ تقديرِ العواقب. لكنَّ المأساة تتفاقمُ حين يصبحُ الاعترافُ بالخطأ، أو مراجعةُ القرارِ أكثرَ كلفة في حسابات أصحاب السُّلطة من مواصلة المواجهة. عندها تتقدَّم الحساباتُ السياسيَّة، ويتراجعُ الإنسانُ الذي يفترض أنْ تكون حمايته غاية كلِّ قرار.
فالحربُ التي تُناقش بلغةِ الحدود، وموازين القوَّة، تُعاش في حياة النَّاس بلغةٍ مختلفةٍ: بيت يفقدُ أهله، وأسرة تُقتَلع من مكانِها، وطفل تتغيَّر علاقته بالعالم، قبل أنْ تتاح له فرصة فهمه. وقد تنتهي المواجهةُ عسكريًّا، لكنَّ آثارها تبقى في ذاكرة مَن عاشوها، وفي الخوف الذي قد ينتقلُ من جيلٍ إلى آخرَ. وما يبدُو نهايةً للصِّراع في التقارير، قد يكون بداية معاناةٍ طويلةٍ في حياة أصحابه.
لهذا لا يكفي أنْ تتوقَّف الأسلحةُ؛ كي يتحقَّق السَّلامُ. فقد تصمتُ المدافعُ بينما تبقى المظالمُ قائمةً، وقد تُوقََّع الاتفاقاتُ دون أنْ تتوافر الثِّقة التي تحميها من الانهيار. فالسَّلامُ المُستدامُ يحتاج إلى معالجة أسباب الصِّراع، وصيانةِ الحقوق، وضماناتِ تحدُّ من الخوفِ على المستقبل. وليس المطلوب أنْ تختفي الخلافاتُ، بل أنْ يجد البشر وسيلةً لإدارتها دون أنْ يتحوَّل العنفُ إلى خيارٍ يتجدَّد كلَّما تعثَّرت التَّسوية. فالسَّلامُ لا يطلبُ من الأطراف أنْ تتخلَّى عن ذاكرتها، بل أنْ تمنع الماضي من أنْ يقرِّر وحده شكل المستقبل.
ومع ذلك، لا تجعلنا الحروبُ المتكرِّرةُ أمام طريقٍ مسدودٍ. فقد استطاع خصومٌ أنْ يخرجوا من دائرة المواجهة، حين أدركُوا أنَّ استمرارها لن يحقِّق ما يرجونَه. ويتطلَّب ذلك شجاعةً من نوع آخر: مراجعة الحسابات، والتَّمييز بين التمسُّك بالحقوق والإصرار على صراع يستنزفُ الجميع، وقبول حلٍّ لا يمنحُ كلَّ طرفٍ ما يريد، لكنَّه يحمي ما قد يخسرُه إذا استمرَّت الحرب.
ربما تكمنُ المعضلةُ في أنَّ الإنسانَ وسَّع قدرته على استخدام القوة، لكنَّه لم يطوِّر بالقدر نفسه قدرته على ضبطها. فالحضارة لا تُقَاس بما تمنحه للبشر من وسائل السيطرة فحسب، بل بما تستطيعُ أنْ تحميهم منه أيضًا.
وبين عالمٍ يعرفُ ثمنَ الحرب، وعالمٍ يستطيعُ منعَها مسافةٌ لا تزال الإنسانيَّة تكافح لاجتيازها. والسُّؤال: ليس ما إذا كان الإنسانُ يتمنَّى السَّلام، بل ما إذا كان مستعدًّا لتحمُّل مسؤوليَّاته وشروطه. فربما لا تكمنُ الصعوبة في معرفة الطَّريق إلى السَّلام، بل في امتلاك الإرادة التي تجعلُنا نسلكُه، حتى حين يتطلَّب ذلك مراجعة مخاوفنا ومصالحنا.