نعيشُ زمنًا يسألُ فيه سوقُ العمل: ماذَا تُحسِن؟ بينما يصرُّ بعضُنا على الإجابة: ماذَا درست؟ كأنَّ الوظيفة مقعدٌ في مجلسٍ، يتقدَّم إليه صاحبُ اللَّقب الأطول! وبين الحصولِ على الشهادةِ، وإجادةِ المهارةِ مسافةٌ لا يقطعُها حفلُ التخرُّج.
وللشهادة قيمتُها في التأهيلِ والبحثِ والمهنِ المتخصِّصة، لكنَّ الماجستير والدكتوراة قد يتحوَّلان إلى وجاهةٍ اجتماعيَّةٍ، أو تأجيل لمواجهة العمل. ومن يقول: أدرسهُما طلبًا للعلم، نذكِّره بقولهِ تعَالى: «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا»؛ فالمعرفةُ أوسع من الجامعة، وأبوابُها الكتبُ والمكتباتُ والمنصَّاتُ ودروسُ المتخصِّصين.
وقد يحمل إنسانٌ ماجستيرًا في الرِّياضيَّات، ويعمل سائق أجرة؛ لملاءمة الفرصة ظروفه؛ فالاحتياطيُّ الفيدراليُّ بنيويورك يرصدُ خرِّيجين يعملُون بوظائف لا تتطلَّب شهادةً جامعيَّةً. المثالُ لا ينتقص من الرِّياضيَّات، لكنَّه يسأل عن الطَّريق بين المعرفة والعمل.
أما وقد قلنَا هذا، فنعود إلى المهاراتِ. ومن الحِكم المنسوبةِ إلى عليٍّ بن أبي طالب -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: «قيمةُ كلِّ امرئٍ مَا يُحسِنهُ». وقيمتُكَ تحتاجُ برهانًا يتجاوز الورق: عملًا تنجزُه، ومعضلةً تحلُّها، وأثرًا يثبتُ قدرتَك على تحويل ما تعلَّمته إلى منفعةٍ يحتاجها النَّاسُ.
ومن الرسائل الجامعيَّة «ظاهرة الحزن في دواوين شعراء المعلَّقات: دراسة موضوعيَّة فنيَّة»، و«التَّراكيب العربيَّة البسيطة: دراسة نحويَّة - معلَّقة امرئ القيس أنموذجًا». لها قيمتها الأدبيَّة، لكن طالب العمل في تحليل البيانات، أو إنترنت الأشياء، أو التسويق بالذكاء الاصطناعيِّ يحتاج أدوات مهنته؛ فقد يعرفُ لماذا بكى الشَّاعرُ، ويجهلُ لماذا لا يشترِي الزبونُ!
وفي ٢٦ يونيو ٢٠٢٠، وقَّع ترامب أمرًا لتطوير التوظيف الفيدراليِّ بتقييم المهارات والكفاءة، وتقليص المؤهِّلات غير الضروريَّة، مع إبقاء المتطلَّبات التعليميَّة اللازمة. وأكَّد سموُّ وليِّ العهدِ الأميرُ محمد بن سلمان غاية «بناء اقتصادٍ متينٍ قائمٍ على المهارات والمعرفةِ، وأساسه رأس المال البشري».
ويتوقَّع أصحابُ العمل، وفق تقريرِ المنتدى الاقتصاديِّ العالميِّ لعام ٢٠٢٥، تغيُّر، أو تقادم ٣٩٪ من المهارات الحاليَّة بحلول ٢٠٣٠، وتتوقَّع ٧٠٪ من الجهات توظيف أصحاب مهارات جديدة، مع تصاعد الطَّلب على الذكاء الاصطناعيِّ، والبيانات، والأمن السيبرانيِّ. لكن تقرير هارفارد، وبرنينغ غلاس لعام ٢٠٢٤ يرصدُ فجوةً بين إعلان التَّوظيف بالمهارات وتطبيقه؛ فقد تغادر الشِّهادة الإعلان، وتبقى في رأس الموظِّف!
وللمهارة شاهد منزلي: عند التسرُّب تطلبُ سبَّاكًا، وعند العطل كهربائيًّا، ولا تسألهما عن الرِّسالة الجامعيَّة. وبحسب مكتب إحصاءات العمل الأمريكيِّ، بلغ وسيط أجور السبَّاكين ٦٣.٨٠٠ دولارٍ، مقابل ٥٠.٩٨٠ لجميع المهن، في مايو ٢٠٢٥، ويُتوقَّع نمو توظيف الكهربائيِّين ٩٪ بين ٢٠٢٥ و٢٠٣٥.
والفرق بين المعرفة والإجادة، كمن يؤلِّف خمسة كتب عن السِّباحة، ثمَّ يحتاج مَن ينقذه! الماءُ يختبرُ الذراعَ، والعملُ يختبرُ المعرفةَ.
حسنًا، ماذا بقي؟
بقي القول: إذا أردتَ زيادةَ فرص توظيفِك، فابحث عمَّا يحتاجه السُّوقُ، ثمَّ تعلَّمه وأثبته بإنجازٍ، فالرَّغبة في لقبٍ لا تصنعُ طلبًا على صاحبهِ. والتعلُّم والتقدُّم كالمبتدأ والخبر، يكتملُ المعنى باجتماعِهمَا؛ لذلك نقول: تعلَّم حتَّى تتقدَّم.