كنتُ قد كتبتُ مقالًا سابقًا في هذه الصحيفة الغرّاء، تناولتُ فيه أهمية تبنـّي العنصر التقني الذاتي لتسيـيـر دفة العمل الإداري والحد من التأثيرات السلبية للكادر البشري وتقليص نـُفوذ المتسلّطين من الموظّفين، إضافة إلى تجاوز الروتين المعطِّل واختصار الوقت والجهد، وتسخيـر الإمكانات التقنية السريعة للتسهيل على المراجعين وتسليمهم مُستحقّاتهم، وتحقيق رفاهيتهم، ومراقبة خطوات معاملاتـهم إليكترونيًا دون استعطاف موظف، أو استجداء مسؤول.

لكن حال كثيـر من الإدارات هنا يحكي واقعًا مغايرًا للأهداف التي أنشئت من أجلها أنظمتها الالكترونية، فقد تواترت تجارب شخصية تحكي قصور تلك الأنظمة في التيسير على الناس، واعتمادها خطوات إلكترونية معقّدة، بجانب الـمُعاملات الورقية الروتينية، وفي رسالة أرسلها أحد القراء مثال على ذلك، حيث يقول فيها: (خلال مراجعاتي لوزارة الصحة بجدة سعدت حين علمت أن جميع المعاملات أصبحت تقدّم إلكترونيًا، وبعد رفع وتحميل الـمستندات الـمطلوبه وإرسالها آليًا، لم تتحرك معاملتي «الإلكترونية» طوال (3) أشهر!! وبعد مراجعات عدة، قيل لي أن السبب أخطاء في «فهرسة» المعاملة، وهي خطوة إدارية بحتة من المفترض أن تتم عن طريق موظف مسؤول بوضعه المستندات الـمطلوبة بترتيب وتسلسل لتقديمها كما يرغب، مـما عطّل معاملتي وهدّد مستقبلي).

وفي واقعة أخرى يقول القارئ: (تقدّمتُ برفع قضية بجدة، وهو ما اضطرني للتفرّغ لمدة (3) أيام، حيث دلّني الموظف على لائحة الطلبات الخاصة بقضيتي، وفي اليوم التالي حضرتُ مبكّرًا ومعي جميع متطلبات التقديم، لكن الموظف المسؤول طلب منـّي «فهرسة» المستندات، وهو إجراء يتطلب جهدًا ووقتًا وتعقيدات تنظيمية يتحملّها المُراجع وحده، وبعد سؤال واستفهام، واستعطاف واستدراك، انتهى وقت تقديـم الدعاوى في الفترة الصباحية، وعندما عدتُ في اليوم التالي لطلب الـمساعدة، سـمعتُ مواطنًا من كبار العمر يصرخ من معاناته ويقول: «ياجماعة ارحمونـي، أنا لي أسبوع أراجعكم وماني عارف أضبط الفهرسة».. ليـرد عليه الموظف باستخفاف وتهكّم: «روح شُفلك محامي يساعدك»)!!.

يقول صاحب الرسالة أخيرًا: (أقترح على الوزارات المعنيّة، تدريب موظفيها على أصول «الفهرسة» للقيام بهذه الخطوة التي يبدو أنها أساسية لإتـمام مجرد تقديم المعاملات، أو تعليم المراجعين خطوات «الفهرسة» من خلال دورات تدريبية في حال أصرّت الجهات الـحكومية على «فهرسة» المعاملات)!! والله المستعان.