كيف نعيبُ على كثيرٍ من مستخدمي «تويتر» انشغالهم في التفاهات طول اليوم نتيجة الرفاهية الفكرية، أو عدمِ إيمانهم بقضية معينة، ونحن نقرأ في الوقت ذاته منذ عقود من السنوات في الكتب القديمة انشغالاً في قضايا أكثر إغراقاً في البساطة أو التعقيد -إن شئت- رغم (تفاهتها) أو إن احترمناها بالقول: بعدم أهميتها؟. وفوق ذلك تجدها مدعَّمة من أصحابها بالاستشهادات العلمية والدينية، ومحاولة استخدام العقل والمنطق واستدعاء التراث؟!! وتزيدُ بإلصاق التهم ونفيها بناء على الالتزام بتلك القضايا البسيطة وتبنّيها.

ذكر الأستاذ عبدالعزيز الربيع -رحمه الله- في كتابه (ذكريات طفل وديع) -طُبِع 1402هـ- أنه في طفولته كان يفخر التلاميذ بمشايخهم ويستدعونهم إلى نقاشات لا فائدة منها كنقاش قام بين عالمين -بحسب الربيع- حول تقديم الطعام المالح أو الحلو في الموائد وتأخير الآخر! وطال الجدل في الجلسة واستمرّ وانتقل لمجالس أخرى، وأُلِّفت رسائل فيه مدة من الزمن!

واستحضرَ أيضا -الربيع- قصة العلامة الشيخ محمد محمود (التلاميد) ولبسه الخفّ -أحمر أو أسود لا يذكر الكاتب- وإنكار الأزهر عليه حين وفد إلى مصر بحجة مخالفته السنة في لون الخفّ، وأنه ثارت مناقشات طويلة في هذا الإطار شغلت الأوساط العلمية فترة في ذاك الوقت!

ومما ذكر أعلاه، يبدو أن استغراق مجموعات من الجماهير في البحث عن حقيقة غلاء ساعة إحدى الشخصيات مثلاً -الموضوع الذي صادفني في الفيس بوك- أو تفاصيل حياة اللاعب الفلاني يعتبرُ هيّنا مقابل تفصيلات وأحكام دقيقة في السلوك واللبس وإدخالها ضمن صميم روح العبادة و(العقيدة) ربّما!

الإنسان كائن عجيب، وانصرافه إلى مناقشة سلوك معين في فترة زمنية يؤكد على اهتمام الإنسان بصناعةِ قضيةٍ تُشغِلُه وِفقا لزمنه وظروفه، دون وعيٍ أحياناً أنّ هذه الاهتمامات قد تصرفُهُ عن عظيم مقصد العبادة بالاكتفاء بالمجرّد من الزي والسلوك والقول واللون دون فحوى المقصود!