Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أحمد الظفيري

التعليم السعودي يضع الإنسان أولاً

A A
حين تصدر الأنظمة الكبرى، يتجه الاهتمام غالبًا إلى تفاصيلها القانونية، بينما يبقى أثرها الحقيقي في الفلسفة التي تقف خلفها. وهذا ما يميز نظام التعليم العام الجديد؛ فهو لا يقدم إطارًا تنظيميًا للتعليم فحسب، وإنما يرسم تصورًا مختلفًا للدور الذي تؤديه المدرسة في مستقبل المملكة.
على مدى عقود، انشغلت معظم الأنظمة التعليمية حول العالم بإدارة المدارس، وتنظيم المناهج، وقياس التحصيل الدراسي. أما اليوم، فإن المنافسة بين الدول أصبحت تدور حول سؤال أكثر أهمية: من يستطيع بناء الإنسان الأكثر قدرة على التعلم والتكيف والابتكار؟
من هذه الزاوية يمكن قراءة نظام التعليم السعودي الجديد.
فالنظام يعكس انتقالًا واضحًا من مفهوم التعليم بوصفه خدمة حكومية إلى اعتباره استثمارًا استراتيجيًا في رأس المال البشري. وهذا التحول ينسجم مع رؤية السعودية 2030 التي جعلت الإنسان محور التنمية، وجعلت التعليم أحد أهم أدوات بناء الاقتصاد الوطني.
أكثر ما يستوقفني في النظام أنه لا يتعامل مع الطالب باعتباره متلقيًا للمعرفة، وإنما مشروعًا متكاملًا لبناء الشخصية. فالأهداف تمتد من ترسيخ الهوية الوطنية والقيم، إلى تنمية التفكير النقدي والإبداع، واكتساب المهارات التقنية، وتعزيز الابتكار، والتعلم مدى الحياة. وهذه هي المهارات التي ستحدد مكانة الدول في الاقتصاد العالمي خلال العقود القادمة.
ومن أهم الرسائل التي يحملها النظام أيضًا أن التعليم لم يعد مسؤولية وزارة التعليم وحدها. إنشاء مجلس شؤون التعليم العام بعضوية جهات تمثل الاقتصاد، والاستثمار، والمالية، والثقافة، والصحة، والرياضة، يعكس قناعة بأن بناء الإنسان مسؤولية وطنية مشتركة، وأن القرارات التعليمية تزداد جودة عندما تُبنى على رؤية تكاملية تجمع شركاء النجاح حول طاولة واحدة.
هذه الحوكمة التشاركية تمنح المنظومة مرونة أكبر، وترفع كفاءة اتخاذ القرار، وتربط السياسات التعليمية مباشرة باحتياجات التنمية الوطنية، وهو تحول يعزز قدرة التعليم على مواكبة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية بوتيرة أسرع.
وفي الوقت نفسه، يفتح النظام المجال أمام القطاع الخاص والقطاع غير الربحي والاستثمار للمشاركة بصورة أوسع في تطوير التعليم، مع الحفاظ على جودة المخرجات من خلال الحوكمة والاعتماد والتقويم. وهذه المعادلة تعزز التنوع، وتحفز الابتكار، وتوسع الخيارات التعليمية أمام الأسر.
كما أن الاهتمام بالطفولة المبكرة، ودمج ذوي الإعاقة، ورعاية الموهوبين، والتعليم الإلكتروني، والتعلم المستمر، يعكس رؤية شاملة تعتبر التعليم رحلة تبدأ في السنوات الأولى من العمر، وتمتد طوال الحياة، وتصل إلى جميع الفئات دون استثناء.
وأرى أن القيمة الحقيقية لهذا النظام تكمن في أنه ينقل معيار النجاح من إدارة المدرسة إلى أثر المدرسة. فالمؤشر الحقيقي لن يكون عدد المباني أو المناهج أو الاختبارات، وإنما جودة الإنسان الذي يغادر الفصل الدراسي وهو أكثر قدرة على التفكير، والإبداع، والعمل، والإنتاج، والانتماء.
إذا نجح التطبيق بالكفاءة نفسها التي صيغ بها النظام، فإن المملكة ستكون أمام مرحلة جديدة يصبح فيها التعليم أحد أهم محركات النمو الاقتصادي، وأحد أقوى أدوات تعزيز الهوية الوطنية، وأحد أبرز روافد تنافسية المملكة عالميًا. فالدول التي تكسب المستقبل هي التي تستثمر في الإنسان أولًا، ويبدو أن نظام التعليم العام الجديد يسير بثقة في هذا الاتجاه.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store