Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. بكري معتوق عساس

حين يتحوَّل العقل إلى ثروة.. تبدأ الأمم رحلتها الحقيقية

A A
بينما كنتُ أدرسُ في بريطانيا، دار بيني وبين صديقٍ برازيليٍّ حديثٌ عابرٌ، لكنَّه ترك أثرًا عميقًا. سألني يومًا عن مستقبل ابني «مشرف»، وماذا أخطِّط له؟ استغربتُ السؤال، فطفلي لم يتجاوز الرابعة من عمره بعد! فأجبته ببساطةٍ: ما زال الوقتُ مبكِّرًا.
لكنَّه فاجأني بإجابةٍ مختلفةٍ تمامًا: «ابني في السَّادسة، وقد بدأتُ بالفعل أخطِّط ليكون مهندسًا تقنيًّا؛ لأنَّ رُؤية بلادنا تركِّز على المستقبل التقنيِّ، وأنا أُهيِّئه من الآن ليكونَ جزءًا منه».
لم تكن دهشتي من مبادرته المبكِّرة، بل من ذلك التَّناغم العميق بين الفرد والرُّؤية الوطنيَّة، حيث تتحوَّل الخطط الكبرى من مجرَّد وثائق حكوميَّة إلى سلوكٍ يوميٍّ، وتوجُّهٍ تربويٍّ، وخياراتٍ حياتيَّةٍ تبدأ منذ الطفولة.
الحقيقة التي يفرضها هذا المشهد، أنَّ أيَّ رُؤية -مهما بلغت دقَّتها- لن تُكتَب لها الحياة ما لم تجد مجتمعًا يُؤمنُ بها، ويتبنَّاها، ويُعيدُ تشكيل أولويَّاته على أساسها. فالرُّؤى لا تنجح بقرارات تُصدر، بل بعقول تقتنع، وسلوكيات تتغيَّر.
لقد أطلقت المملكةُ العربيَّة السعوديَّة رُؤية 2030؛ لتؤسِّس لمرحلة تاريخيَّة جديدة، تنتقل فيها البلاد من اقتصادٍ يعتمد على النفط، إلى اقتصاد يرتكز على المعرفة. انتقالٌ من استثمار كنوز الأرض، إلى استثمار كنوز العقل؛ حيث تصبح الابتكارات والاختراعات هي الثَّروة الحقيقيَّة.
غير أنَّ هذا التحوُّل الطموح لا يمكن أنْ يتحقَّق بجهود مؤسَّساتيَّة فقط، بل يحتاج -قبل ذلك- إلى مجتمعٍ واعٍ يستوعبُ الرُّؤية، ويتفاعل معها، ويُعيد توجيه طموحاته ومساراته التعليميَّة والمهنيَّة بما ينسجم مع أهدافها.
وفي هذا السياق، يبرز الدورُ المحوريُّ لمؤسَّسات التعليم العالي، التي تقع على عاتقها مسؤوليَّة تحويل البحث العلميِّ إلى قوَّة دافعة للتَّنمية، ومحرِّك حقيقيٍّ للاقتصاد المعرفيِّ.
ولعل ما يمنحنا ميزةً إضافيَّةً في هذا المسار، أنَّنا لسنا أمةً طارئةً على المعرفة، بل أمة تأسَّست عليها. دينُنا يحثُّ على التَّفكير والتأمُّل، ويدعو إلى التعلُّم والبحث، كما أنَّ تاريخنا شاهد على حضارةٍ جعلت من العلم أساس نهضتها.
نحنُ -إذن- أبناءُ دينٍ يحتفي بالمعرفة، وأبناءُ حضارةٍ قامت عليها، وأبناءُ لغةٍ صاغتها مفردات العلم والفكر. فكيف نتردَّد في أنْ نكون مجتمعًا معرفيًّا؟
إنَّ المستقبل لا ينتظر المتردِّدين، ولا يفسح الطريق لمَن يسير بلا وعيٍ. إنَّه يُكتب الآن، في تفاصيل صغيرة تبدو عابرةً، لكنَّها تصنع الفارق بين أُمَّة تستهلك الزَّمن، وأخرى تصنعه.
ورُؤية 2030 ليست رقمًا على خطٍ زمنيٍّ، بل اختبارٌ تاريخيٌّ لإرادتنا: هل نكتفي بأنْ نكون شهودًا على التحوُّل، أم نصبح صُنَّاعه؟
إنَّ الرهان لم يعد على ما تختزنه الأرض، بل على ما يختزنه الإنسان في عقله. فهناك تولد الثروات الحقيقية، وتصاغ الأمم من جديد.
وحين ننجح في تحويل الوعي إلى ثقافة، والطموح إلى مشروع، والطفل إلى فكرة تمشي على الأرض، عندها فقط نكونُ قد بدأنا الرحلة الحقيقيَّة نحو المستقبل.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store