هناك قرارات إداريَّة تُحدِث أثرًا مؤقتًا، وهناك أنظمة تصنعُ مستقبلًا لأجيال كاملة، ونظام التعليم العام الجديد الذي أُعلن عنه مؤخَّرًا ينتمي -بلا شكٍّ- إلى الفئة الثانية، فهو ليس مجرَّد تحديث للأنظمة، أو إعادة تنظيم للعمليَّة التعليميَّة، وإنَّما رُؤية وطنيَّة متكاملة، تؤكِّد أنَّ المملكة تضعُ الإنسان في مقدِّمة أولوياتها، وأنَّ التعليم سيظل الاستثمار الأكثر قيمةً والأعلى عائدًا على الوطن.
لقد تعوَّدنا أنْ يُقاس نجاح الدول بحجم مشروعاتها الاقتصاديَّة أو العمرانيَّة، لكن التجارب العالميَّة أثبتت أنَّ جميع تلك الإنجازات تبدأ من الفصل الدراسيِّ، فكل طبيبٍ ومهندسٍ وقاضٍ ورجلِ أعمالٍ ومبتكرٍ وقائدٍ، كانت بدايته في مدرسةٍ، ولهذا، فإنَّ تطوير المدرسة يعني عمليًّا تطوير مستقبل الوطن بأكمله.
ولعل أجمل ما في نظام التعليم العام الجديد، أنَّه لم ينظر إلى التعليم بوصفه عمليَّة تلقين للمعلومات، وإنَّما باعتباره مشروعًا لبناء الإنسان، فالطالب لم يعد مجرَّد متلقٍّ للمعرفة، بل أصبح محورًا رئيسًا لمنظومة متكاملة تكفل له حق التعليم، وتوفِّر له بيئة آمنة، وتحميه من الإيذاء، وتضمن حصوله على الرعاية الصحيَّة، وتحافظ على حقوقه وفق إطار نظاميٍّ واضح، وهذه رسالة حضاريَّة تؤكِّد أنَّ جودة التعليم تبدأ أوَّلًا بجودة البيئة التي يتعلَّم فيها الطالب.
وفي المقابل، لم يغفل النظام مكانة المعلِّم، الذي سيبقى حجر الأساس في أيِّ عمليَّة تطوير، فالحديث عن التأهيل المهنيِّ، والترخيص لمزاولة المهنة، والتطوير المستمر، وتقديم الحوافز الماليَّة عند التكليف بمهام إضافيَّة، كلها خطوات تؤكِّد أنَّ المملكة تدرك أنَّ الاستثمار الحقيقي في التعليم يبدأ بالاستثمار في المعلِّم؛ لأنَّه صانع الأجيال، وأحد أهم شركاء التنمية.
ومن أكثر الجوانب التي استوقفتني في النظام، الاهتمام بالطلبة الموهوبين والمتفوِّقين، من خلال إتاحة الفرصة لتسريع انتقالهم بين المراحل الدراسيَّة وفق معايير علميَّة دقيقة، فهذه الخطوة تعكس تحوُّلًا في الفكر التعليميِّ، إذ لم يعد الهدف أنْ يسير جميع الطلاب بالسرعة نفسها، وإنَّما أنْ يحصل كل طالب على المسار الذي يتناسب مع قدراته وإمكاناته، فالأمم التي تكتشف الموهبة مبكِّرًا هي الأمم التي تقود المستقبل.
كما أن إدراج البرمجة، والتقنيات الحديثة، والتفكير الناقد، والتعليم الإلكتروني، والمؤسسات التعليمية الافتراضية، يؤكد أن المملكة لا تخطط لتعليم يناسب الأمس، بل تبني منظومة تعليمية تستعد لوظائف المستقبل، واقتصاد المعرفة، والذكاء الاصطناعي، والثورة الصناعية الرابعة، فالعالم يتغير بسرعة، والتعليم الذي لا يتغير معه يفقد قدرته على صناعة المستقبل.
وفي تقديري، فإنَّ من أهم ما يميِّز هذا النظام هو أنَّه لم يركِّز على الحقوق فقط، ولم يكتفِ بالواجبات فقط، وإنَّما حقق توازنًا دقيقًا بينهما، فقد حفظ حقوق الطالب، ورفع مكانة المعلم، وعزَّز دور الأسرة، ونظَّم العلاقة مع المدارس الأهليَّة، وشدَّد على الانضباط، وحماية الهويَّة الوطنيَّة، والمحافظة على البيئة التعليميَّة، وهذه هي فلسفة الأنظمة الناجحة؛ أنْ تصنع التوازن، لا أنْ تنتصر لطرفٍ على حساب آخر.
ومن النقاط التي تستحق الإشادة أيضًا، أنَّ النظام لم يغفل دور الأسرة، بل جعلها شريكًا أساسًا في العمليَّة التعليميَّة، فالتعليم لا يبدأ عند بوابة المدرسة، ولا ينتهي بخروج الطالب منها، وإنَّما هو مسؤوليَّة مشتركة بين المدرسة والمنزل، وكلَّما تعزَّزت هذه الشراكة، انعكس ذلك على مستوى التحصيل، والسلوك، وبناء الشخصية.
إنَّ المملكة اليوم لا تستثمر في المباني المدرسيَّة فقط، بل تستثمر في الإنسان السعوديِّ، فالمدارس الحديثة، والمناهج المتطوِّرة، والأنظمة المتقدِّمة، والتقنيات الرقميَّة، والحوكمة، والاعتماد المدرسيِّ، ليست أهدافًا بحدِّ ذاتها، وإنَّما وسائل لإعداد مواطن يمتلك العلم، والمهارة، والقيم، والقدرة على المنافسة عالميًّا.
ومن هنا، فإنَّ الشكر والتقدير مستحقَّان لمعالي وزير التعليم الأستاذ يوسف بن عبدالله البنيان، الذي يقود منظومة التعليم برُؤية تطويريَّة واضحة، ولجميع قيادات ومنسوبي وزارة التعليم الذين يعملون على تحديث الأنظمة، ورفع جودة التعليم، واستدامة تطويره، بما ينسجم مع مستهدَفات رُؤية المملكة 2030، لقد أثبتت الوزارة خلال السنوات الماضية أنَّها لا تكتفي بإدارة التعليم، بل تعمل على إعادة هندسة المنظومة التعليميَّة بما يجعلها أكثر كفاءة ومرونة؛ وقدرة على مواجهة تحدِّيات المستقبل.
ويبقى التعليم هو المشروع الوطني الذي لا يعرف التوقُّف؛ لأن الأمم لا تتقدَّم بقرارات آنيَّة، وإنَّما برُؤية بعيدة المدى، وما نشهده اليوم من تطوير تشريعيٍّ وتنظيميٍّ يؤكِّد أنَّ المملكة تبني منظومةً تعليميَّةً ستجني ثمارها أجيال قادمة، وستنعكس آثارها على الاقتصاد، والابتكار، وسوق العمل، وجودة الحياة.
وفي الختام، فإنَّ نظام التعليم العام الجديد ليس مجرَّد مواد نظاميَّة تُضاف إلى الجريدة الرسميَّة، بل هو رسالة وطنية تؤكد أنَّ المملكة تؤمن بأنَّ بناء الإنسان يسبق بناء العمران، وأنَّ الاستثمار في العقول هو الاستثمار الوحيد الذي تتضاعف عوائده مع مرور الزمن، وعندما يكون التعليم بهذه المكانة في أولويات الدولة، فإنَّ المستقبل سيكون أكثر إشراقًا، والوطن أكثر قوةً، والأجيال أكثر قدرةً على قيادة مسيرة التنمية وصناعة الإنجازات.


