يظنُّ الإنسانُ أنَّه كلَّما اتَّسعت معارفه، اقترب من امتلاك الحقيقة كاملةً. لكنَّ رحلة العلم نفسها تعلِّمنا العكس، فكل اكتشاف جديد، لا يغلق باب الأسئلة، بل يفتح أبوابًا أكبرَ. وكأنَّ المعرفة، كلَّما اتَّسعت، كشفت لنا حجم ما نجهله.
ولهذا يتحدَّث بعضُ الفلاسفة اليوم، عن مفهوم يُسمُّونَه “العَمَى الإبستيمي” (Epistemic Blindness)، وهو ليس عمى البصر، بل عجزُ الإنسانِ عن إدراك حقائقَ موجودةٍ، ليس لأنَّها خفيَّةٌ في ذاتها، وإنَّما لأنَّ أدوات معرفته وحواسه وعقله لا تستطيع الإحاطة بها.
غير أنَّ هذا المفهوم ليس غريبًا على الرُّؤية الإسلاميَّة. فالقرآن الكريم سبق إلى بيان أنَّ حدود الإنسان المعرفيَّة جزءٌ من طبيعته، فقال سبحانه: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فالعَمَى الحقيقيُّ ليس فقدان العينَ لقدرتها على الرُّؤية، بل أنْ يظنَّ الإنسانُ أنَّ ما يراه هو كلُّ الحقيقة.
واليوم يناقش العلماءُ أسئلةً كُبرى عن تاريخ الأرض والكون، ويعترفُون بأنَّ كثيرًا ممَّا يبحثُون عنه ربَّما ضاع إلى الأبد، أو تجاوز قدرة أدواتهم على اكتشافه. وليس ذلك نقصًا في العلم، بل اعتراف بأنَّ المعرفة البشريَّة مهما بلغت تظلُّ محدودةً.
بل إنَّ أعظم الأسرار ما زالت بين أيدينا دون أنْ ندرك حقيقتها. فنحنُ نعيشُ بالروح، ولا نعرف كُنهَهَا، وقد حسم القرآنُ هذا الباب بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
إنَّ العَمَى الإبستيمي ليس دعوةً إلى الشكِّ في العلم، بل إلى التواضع أمامه. فالعلمُ يكشف لنا سننًاً من سنن الله في الكون، لكنَّه لا يحيط بها كلَّها. وكلَّما ازددنا علمًا، أدركنا أنَّ وراء ما نعرفه عالمًا أوسعَ، لا يحيطُ به إلَّا خالقُ الكونِ.
ولعلَّ أجمل ما يورثه العلمُ للمؤمن، ليس كثرة المعلومات، وإنَّما التواضع. فحين يدركُ الإنسانُ حدود عقله، يزدادُ يقينًا بعظمة ربِّه، ويعلم أنَّ الحقيقة المطلقة ليست في متناول البشر، وإنَّما عند ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾.


