Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.سعود الغربي

الرياض.. عاصمة القطارات إقليميًّا

A A
اعتادتِ المملكةُ أنْ تحوِّل الأفكارَ الكُبرى إلى مشروعاتٍ واقعيَّةٍ، وأنْ تنقل الطُّموح من دائرة التوقُّعات إلى حيِّز التَّنفيذ. ومنذ إطلاق رُؤية السعوديَّة 2030 بقيادة سموِّ وليِّ العهدِ الأمير محمد بن سلمان، لم تعد المشروعاتُ الوطنيَّة تُقَاس بحجمها فحسب، بل بأثرِها الإستراتيجيِّ في إعادة تشكيل الاقتصاد، وتعزيز مكانة المملكة إقليميًّا وعالميًّا.
ومن هذا المنطلق، تبدُو فكرة تحويل الرِّياض إلى عاصمةٍ للقطارات الإقليميَّة ليست حلمًا بعيدًا، بل هي مشروعٌ إستراتيجيٌّ ينسجمُ مع موقع المملكة، ومستهدَفاتها اللوجستيَّة، والتحوُّلات الاقتصاديَّة التي تشهدها المنطقة.
لقد كانت الموانئ البحريَّة في الماضي عنوان ازدهار الدُّول، ثمَّ أصبحت المطاراتُ معيارًا للحضور الاقتصاديِّ والانفتاح العالميِّ. أمَّا اليوم، فإنَّ شبكات السكك الحديديَّة العابرة للحدود، أصبحت إحدَى أهم أدوات التَّكامل الاقتصاديِّ، إذ لا تنقلُ الركَّاب والبضائع فحسب، بل تُعيد رسم خرائط التِّجارة، وتعزِّز سلاسل الإمداد، وتفتح آفاقًا جديدةً للاستثمار والسِّياحة والتَّنمية.
ومن هنا يبرز سؤالٌ مشروعٌ وهو: لماذا لا تكون الرِّياض نقطة الارتكاز لشبكة القطارات الإقليميَّة؟ فالرِّياضُ تتوسَّط الجزيرة العربيَّة، وتقعُ في قلب أكبر اقتصادٍ عربيٍّ، وتمتلك بنيةً تحتيَّةً متقدِّمةً، فيما تمضي المملكةُ بخُطى متسارعةٍ نحو ترسيخ مكانتها مركزًا لوجستيًّا عالميًّا، يربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا. وعندما تجتمعُ الجغرافيا مع الإرادة والاستثمار، تتوافرُ المقوِّمات اللازمة لمشروع يتجاوز البُعد المحليِّ إلى التأثير الإقليميِّ.
ولا ينبغي أنْ تقتصر المرحلة المقبلة على استكمال الربط بين المدن السعوديَّة، بل يمكن أنْ تتجه تدريجيًّا نحو شبكة إقليميَّة تربط الرِّياض بالعواصم الخليجيَّة، مع قابليَّة الامتداد مستقبلًا إلى المشرق العربيِّ، وفق ما تسمح به التطوُّرات السياسيَّة والاقتصاديَّة ومشروعات الرَّبط المشتركة. فمثل هذا المشروع سيختصرُ المسافات، ويضاعفُ حركة التِّجارة، ويمنح المنطقة خياراتِ نقلٍ أكثر كفاءةً واستدامةً.
ولعلَّ الفكرة الأكثر أهميَّة تتمثَّل في إنشاء «محطة الرِّياض الدوليَّة للقطارات»، مشروع يعمل بمفهوم «المطار البريِّ»، بحيث يضمُّ مرافق السفر والجوازات والجمارك، ومراكز الأعمال، والفنادق، والخدمات اللوجستيَّة، ليصبح مركزًا إقليميًّا متكاملًا لحركة الركَّاب والبضائع، وليس مجرَّد محطَّة للانطلاق والوصول.
وبالتَّوازي مع ذلك، فإنَّ تخصيص مسارات لقطارات الشَّحن السَّريع بين الموانئ السعوديَّة والرِّياض، وربطها مستقبلًا بالشبكات الإقليميَّة، سيخفِّض زمن نقل البضائع وتكاليفها، ويرفع كفاءة سلاسل الإمداد، ويعزِّز تنافسيَّة الاقتصاد الوطنيِّ، ويجذب استثمارات جديدة في قطاعات الصناعة والخدمات واللوجستيَّات.
إنَّ المدن الكبرى لا تُقَاس بعدد طُرقها أو ارتفاع أبراجها، بل بقدرتِها على أنْ تكون نقطة التقاء للحركة الاقتصاديَّة. وإذا أصبحت الرِّياض مركزًا لشبكات القطارات الإقليميَّة، فإنَّها لن تكون مجرَّد محطَّة عبور، بل بوابة للتجارة والاستثمار والسِّياحة، وعاصمة لوجستيَّة تتقاطع عندها مصالح المنطقة.
وربما آن الأوانُ لأنْ نبدأ التَّفكير في مشروعٍ نوعيٍّ يحمل اسم «محطَّة الرِّياض الدوليَّة للقطارات»، مشروع قد يبدُو اليوم فكرة طموحة، لكنَّه يمتلك كل المقوِّمات ليصبح أحد أبرز الإنجازات اللوجستيَّة في المنطقة خلال العقد المقبل، ويضع الرِّياض في موقع تستحقه، بوصفها قلبًا نابضًا للحركة الاقتصاديَّة الإقليميَّة.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store