
ليست عظمة الأوطان بما تملكه من أسباب القوَّة وحدها، بل بما تحمله من رسالة، وما تتَّخذه من مواقف، وما تقدِّمه من عطاء حين تتعاظم الأزمات وتتباين المصالح. والمملكة العربيَّة السعوديَّة، بما لها من مكانةٍ دينيَّةٍ، وثقلٍ عربيٍّ وإسلاميٍّ، ودورٍ إنسانيٍّ ممتدٍّ، ظلَّت تؤكِّد عبر تاريخها أنَّ أمنها واستقرارها ركيزةٌ لنهضتها، وأنَّ نصرة قضايا أمتها وخدمة المسلمين مسؤوليَّة لا تتخلَّى عنها؛ بتغيُّر الظروف، أو تبدُّل المواقف. وقد واجهت المملكة، على امتداد تاريخها الحديث، تحدِّيات ومواقف عدائيَّة
لم تعد المعرفةُ تسكنُ صفحات الكُتب وحدها، ولا تنتظرُ الطالب خلف جدران المدرسة، فقد فتحت التقنيةُ نوافذَ واسعةً على عالم لا تكاد حدودُه تُرى. وبضغطةٍ واحدةٍ يستطيعُ الطالبُ أنْ يصل إلى آلاف المصادر، ويشاهد التجارب، ويتعلَّم مهارات جديدة، ويطرح أسئلته على أدوات الذكاء الاصطناعيِّ. وفي خضمِّ هذا التحوُّل، لم يعد السُّؤال: ماذا يعرفُ المعلِّمُ؟ بل أصبح: ماذا يستطيعُ أنْ يصنعَ بما يعرفُ؟. لقد تغيَّرت مهمَّة المعلِّم تغيُّرًا جوهريًّا. ففي الماضي كان المعلِّمُ المصدر الأبرز للمعلومة، وكانت العمليَّةُ
تمثِّل رعاية الموهوبِين واستثمار قدراتهم إحدى الركائز الأساسيَّة لبناء المجتمعات المتقدِّمة، إذ إنَّ اكتشاف المواهب في مراحل مبكِّرة، والعمل على صقلها يُسهم في إعداد أجيال قادرة على الإبداع والابتكار. وتؤدِّي المؤسَّسات التعليميَّة والثقافيَّة دورًا محوريًّا في اكتشاف الطلاب الموهوبِين وتنمية مهاراتهم الفكريَّة والإبداعيَّة. ويتميَّز الموهوبُون بخصائصَ تجعلهم مختلفِين عن أقرانِهم، فهم أسرع تعلُّمًا وأكثر قدرةً على الفهم والتَّحليل والاستنتاج، كما يمتلكُون فضولًا معرفيًّا واسعًا، وقدرةً عاليةً
تمثِّلُ المرحلةُ الثانويَّةُ إحدى أكثر المراحل التعليميَّة تأثيرًا في تشكيل المسار المستقبليِّ للفرد؛ فهي لا تقتصرُ على استكمال البناء المعرفيِّ الذي بدأ في التَّعليم العام، وإنَّما تؤدِّي دورًا محوريًّا في انتقال الطالب من التَّعليم الأساسي إلى مرحلةٍ أكثر ارتباطًا بالتخصُّص، والاختيار، واتِّخاذ القرار. وفي هذه المرحلة تتبلورُ لدى الطالب صُورة أكثر وضوحًا عن قدراتِهِ وميولِهِ واهتماماتِهِ، كمَا يبدأ في بناءِ تصوُّر عن التَّخصُّص الجامعيِّ، والمجال المهنيِّ الذي يمكن أنْ يتَّجه إليه. ومن ثمَّ،
تُعدُّ الأعمالُ المهنيَّةُ والحِرفُ اليدويَّةُ من الركائزِ الأساسية التي تقوم عليها نهضةُ الأمم واستقرار المجتمعات، فهي ليست مجرَّد وسائل للكسب، بل ثقافة إنتاج، وقيم عمل، وصناعة كرامة، واعتماد على الذَّات. وقد أدركت الشعوبُ المتقدِّمة منذ وقت مبكِّر أنَّ ازدهار الأوطان لا يتحقَّق بالشهادات النظريَّة وحدها، وإنَّما بتكامل الفكر مع العمل، والعلم مع المهنة. وأنا في المرحلة الابتدائيَّة بحي المسفلة في مكَّة المكرَّمة، كنتُ أتأمَّل جيرانَنا في الحيِّ، فأجدُ بينهم النجَّار، والحدَّاد، والطبَّاخ،
يطلُّ اليوم الوطنيُّ السعوديُّ في الثالث والعشرين من سبتمبر كل عام، حاملًا في الذاكرة الوطنيَّة قصَّة وطنٍ توحَّدت أجزاؤه، واجتمعت كلمته، وانطلقت مسيرته نحو البناء والتنمية. ويوافق اليوم الوطني هذا العام اليوم الأربعاء، مستعيدًا ذكرى صدور الأمر الملكي بتوحيد البلاد، وتسميتها «المملكة العربيَّة السعوديَّة» عام 1932م. ترتبط هذه المناسبة بمسيرة الملك عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- في توحيد مناطق البلاد، وهي مسيرة امتدَّت عقودًا من العمل والكفاح، بدأت باسترداد الرياض عام 1902م، ثمَّ تتابعت مراحل
ليست العلاقة بين الإنسان ووطنه مجرَّد مشاعر عابرة، أو أحاسيس مؤقتة، بل هي علاقة فطريَّة عميقة، تتجذَّر في القلب والوجدان، وتكبرُ مع الأيام حتى تصبح جزءًا من هويَّة الإنسان وكيانه. فالوطنُ ليس أرضًا تُسكن فحسب، بل هو ذاكرةُ الإنسان، ومهدُ طفولتهِ، ومصدرُ أمنهِ واستقرارهِ، وهو المكانُ الذي تتشكَّل فيه الأحلامُ، وتنمُو فيه الطُّموحات. وحبُّ الأوطان لا يقتصرُ على الكلمات والشعارات، بل يظهر في الإخلاص والعمل، والتفاني في خدمة الوطن، والمحافظة على مقدَّراته. ولذلك قال أميرُ الشعراء أحمد شوقي -رحمه
تُعدّ الأسواق الشعبية من أبهى المعالم التي يقصدها الزوار والسياح؛ لأنها لا تبيع السلع فحسب، بل تفتح نافذة على ذاكرة المكان وثقافته، وتمنح الزائر فرصة لملامسة تفاصيل الحياة المحلية، والتعرّف على العادات والتقاليد والحِرف التي تناقلتها الأجيال. ومن هنا أصبحت هذه الأسواق جزءًا أصيلًا من الهوية السياحية للمدن، ومقصدًا لمن يبحث عن تجربة تتجاوز المشاهدة إلى المعايشة. وتنتشر الأسواق التراثية في كثير من بلدان العالم العربي والإسلامي، وتمتاز بعرض المنتجات المحلية، ولا سيما المصنوعات اليدوية والحرف
قال أبو العلاء المعرِّي: «كلُّ مََن لاقيتُ يَشكُو دهرَهُ ليتَ شِعري هذهِ الدُّنيَا لِمَنْ؟» تتكرَّر هذه الحقيقة في حياة البشر، منذ أنْ خلق الله الأرض ومَن عليها؛ فالدنيا لم تُخلق صفوًا لأحدٍ، ولم ينجُ إنسان من همٍّ أو ابتلاءٍ. الغنيُّ يشكُو، والفقيرُ يشكُو، والمريضُ يشكُو، وحتى الصحيح يحمل من الهموم ما قد لا يظهر للنَّاس. ومن رُزق الذريَّة قد يبتلى بهمِّ تربيتهم، ومَن حُرم منها يعيشُ ألمَ الفَقْدِ والانتظارِ، والعاملُ يشكُو عناء العمل، ومَن لا عمل له يشكُو ضيقَ الحال. وكأنَّ النَّاسَ جميعًا
في زمنٍ تتسابقُ فيه الأممُ على امتلاك المعرفة، لم تعد الجامعة بُرجًا عاجيًّا يعيش بعيدًا عن حركة الحياة، بل غدت قلبًا نابضًا في جسد الاقتصاد والمجتمع؛ ففي مدرَّجاتها تُصاغ الأفكار، وفي مختبراتها تُولد الابتكارات، وبين أيدي علمائها تتحوَّل المعرفة من فكرة عابرة إلى قيمة تصنعُ الفرق. ومن هنا لم يعد السؤال: كم تنفق الدَّولة على جامعاتها فحسب؟، بل أصبح السؤال الأعمق: كيف تستطيع الجامعةُ أنْ تجعل من علمها وعقولها وأبحاثها وأوقافها وشراكاتها موارد متجدِّدة تحفظ رسالتها وتوسِّع أثرها؟ لقد أدركت جامعات
لفتتني تجربة البروفيسور زيني أوجانج، الرئيس الأسبق لجامعة ماليزيا للتقنية، الذي استطاعَ أنْ يقودَ جامعته إلى مكانةٍ متقدِّمةٍ في مجالات البحث العلميِّ والابتكار، من خلال رُؤية واضحة، وقرارات جريئة. وقد قدَّم في إحدى محاضراته عن التعليم العالي خلاصةَ تجربةٍ أكاديميَّةٍ وإداريَّةٍ تستحقُّ التأمُّل؛ لأنَّها تكشفُ أنَّ النَّجاح المؤسسيَّ لا يعتمد على الإمكانات الماديَّة وحدها، بل على وضوح الهدف، وحُسن الإدارة. ويبدُو أنَّ نجاحه استند إلى ركيزتَين أساسيَّتين. الأولى تمثَّلت في الإيمان بالرُّؤية
ليس القبول في الجامعة مجرد مقعد يُمنح لطالب بعد سنوات من الدراسة، ولا هو بوابةً إلى شهادة تُعلَّق على جدار، بل هو قرار يمسّ مستقبل الإنسان، ويؤثر في جودة التعليم وفي قدرة المجتمع على بناء كفاءاته. وبين رغبة الأسرة، وطموح الطالب، وشروط الجامعات، تتداخل اعتبارات كثيرة تجعل من قضية القبول الجامعي واحدة من أكثر القضايا التعليمية حساسية. فالمقعد الجامعي حقٌّ لا ينبغي أن يتحول إلى غاية تُنال بالواسطة، كما أن شروط القبول لا ينبغي أن تُفهم بوصفها تعجيزاً. هناك جملة من الإشكاليات الثقافية التي تتلبس
في كتابه الشَّهير «الجامعات العظيمة»، يؤكِّد عالمُ الاجتماع الأمريكي جوناثون كول، أنَّ الجامعات الكُبْرى لا تُقَاس بعدد خرِّيجيها فقط، بل بقدرتها على صناعة العلماء، والمفكِّرين، وروَّاد الأعمال، وهي مهمَّة لا يمكن تحقيقها إلَّا بوجود أعضاء هيئة تدريس يمتلكُون الخبرة العلميَّة، والرَّصيد البحثيَّ العميق، القادرِين على نقل المعرفة، وصناعة الأجيال الجديدة من الباحثِين والمُبدعِين. فالجامعةُ التي تفقد كفاءاتها العلميَّة المتميِّزة، تفقد معها جزءًا كبيرًا من قوَّتها وتأثيرها. فالأستاذُ الجامعيُّ ليس
ما أكثر الوجوه التي تعبر حياتنا، وما أقل القلوب التي تستقر فيها. فالإنسانُ لا يُعرف عند أول لقاء، وإنَّما تكشفه الأيام، وتمتحنه المواقف، وتُظهره الشدائد. وقد أشار القرآنُ الكريمُ إلى تفاوت الناس واختلاف طبائعهم، فقال تعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ «الحجرات 13». فميزانُ الكرامة ليس المظهر، بل الجوهر، وليس القول، بل العمل. البشر كالبحار، لا يستوون؛ فهذا عذبٌ
يُولد الإنسان في هذه الحياة، ويقضي فيها سنواتٍ تطولُ أو تقصرُ، ثمَّ يرحل عنها؛ لأنَّ الله -سبحانه وتعالى- لم يجعل الخلودَ لبني البشر، وإنَّما جعل لهم آجالًا محدودةً تنتهي بانتهاء أعمارهم. غيرَ أنَّ الإنسان لا يغيبُ تمامًا بعد رحيله، بل يبقى أثرُه في النَّاس بما قدَّمه من عملٍ صالحٍ، وما تركه من سيرةٍ طيبةٍ، وذكرٍ حسنٍ. فالمالُ يزول، والمناصبُ تنتهي، والقوَّةُ تخبو، لكنَّ الكلمة الطيِّبة والمواقف النَّبيلة تبقى حيَّةً في الذاكرة، تتناقلها الألسنُ جيلًا بعد جيلٍ. وقد صدق رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ
هناك أماكن لا يكتفي جمالها بأن يُرى، بل يترك في النفس أثراً يُشبه الذكرى الجميلة؛ أماكن تمتزج فيها الطبيعة بالتاريخ، ويصافح فيها عبق الماضي آفاق المستقبل. وتنومة واحدة من تلك الأمكنة التي لا تستقبل زائرها بمناظرها وحدها، وإنما تفتح له أبوابها بكرم أهلها، وثراء ذاكرتها، ودفء مجالسها؛ حتى يغادرها وفي القلب شيء من روحها. تلبيةً لدعوة كريمة من معالي الأستاذ علي الملفي، وجمعية «إرثنا التاريخي» بتنومة، تلك النبتة الجميلة من بلادنا الغالية، قمتُ برفقة معالي الدكتور محمد العوهلي، ومعالي الدكتور نايف
يقول الروائيُّ الإنجليزيُّ تشارلز ديكنز: «ليس لكَ خيارٌ في كثيرٍ ممَّا أنت عليه، فلم يكن لك خيارٌ في مَن ستكون عائلتك، ولا في ملامحك، ولا في تدويرة وجهك. ولم يكن لك خيارٌ في الصَّوت الذي سيسمعه النَّاس منك، ولا في اللُّغة التي تتحدَّث بها منذ صغرك...» ترتديك الأيام كما ترتدي الشَّمسُ الأفقَ، ثمَّ يتخلَّص منك اللَّيل بإرغامك على النَّوم تعبًا. وبعد كومةٍ من الفروض والاختيارات التي لم تكن لك يدٌ في كثيرٍ منها، يصبح لك وجهان: وجهٌ بائسٌ، يرسمُ الصقيع حول عينيه خطوط التَّعب، ووجهٌ أنيقٌ تُقابل به
تعد الجامعات قلاعاً للعلم والمعرفة، ومناراتٍ للرقي والتقدُّم، فهي التي يُبنى عليها مستقبل الأمم، إنها ليست مجرد مكان لتلقين العلم، بل هي أماكن لتشكيل الوعي، وتطوير القدرات الفكرية، وصنع قادة المستقبل، الذين يتحملون المسؤولية في تحويل ما تلقوه من المعرفة إلى واقع ملموس، يُسهم في تقُّدم أمتهم خطواتٍ إلى الأمام. من المعروف أنَّ الحراكَ الذي تمثله الفعاليات والمناسباتُ التي تقيمها الحامعاتُ (مؤتمرات، ورش عمل، معارض، ملتقيات، أنشطة طلابية)؛ إنما هي أداةٌ إستراتيجيةٌ لربط المؤسساتِ الأكاديمية
لم تعد الجامعاتُ اليوم، تواجه منافسةً من جامعة أُخْرى، بل تواجهُ منافِسًا لا ينامُ، ولا يتعبُ، إنَّه الذكاءُ الاصطناعيُّ، الذي أعاد طرحَ سؤالٍ جوهريٍّ: ما وظيفةُ الجامعةِ في عصرٍ أصبحت فيه المعرفةُ متاحةً بضغطةِ زرٍ؟ يرَى كثيرٌ من الباحثين أنَّ الأزمة التي تواجه الجامعات لم تبدأ مع الذكاء الاصطناعيِّ، بل سبقته بسنواتٍ طويلةٍ، نتيجة ارتفاع تكاليف الدِّراسة، وتراجع التَّعليم الإنسانيِّ، وتحوُّل بعض الجامعات إلى مؤسَّسات تركِّز على إنتاج الشِّهادات أكثر من إنتاج العقول. وجاء الذكاءُ الاصطناعيُّ؛
ليست الثَّرواتُ الطبيعيَّة وحدها هي التي تصنعُ الأمم، وإنَّما تصنعها العقولُ التي تُنتج المعرفة. ومن هنا أصبحت الجامعاتُ البحثيَّةُ أهمَّ استثمار إستراتيجيِّ للدول الحديثة؛ لأنَّها لم تعدْ مؤسَّسات تمنح الشهادات، بل مصانع للأفكار، ومحرِّكات للاقتصاد، ومراكز للابتكار. عندما تأسَّست جامعة جونز هوبكنز عام 1876، ظهر نموذج جديد للجامعة يقوم على البحث العلميِّ بوصفه الرسالة الأساسيَّة. ومنذ ذلك التاريخ تغيَّرت فلسفة التعليم العالي في الولايات المتحدة، وانتقلت الجامعة من نقل المعرفة إلى إنتاجها، فكانت