كتاب

فن الود المسموم

لا شيء يضاهي شعور الحيرة وأنت تتلقى جرعةً مكثفةً من اللطف الزائد، لدرجة تشعرك بأنك مطالب بحفر خندق واقٍ من الرصاص، بينما الطرف الآخر يبتسم لك ابتسامةً عريضةً تكشف عن ناصع أضراسه، فنحن هنا لا نتحدث عن العداء السافر؛ فالعدو الواضح مريح للغاية، لأنه يرتدي زياً صريحاً، يحمل معه عنوان العداء، ويختصر عليك عناء التأويل، الكارثة الكبرى تكمن في ذلك الكائن العجيب الذي يمارس رياضة الود المسموم، فتلك التشابكات الشعورية المعقدة التي تتنكر في ثوب المحبة، هي في حقيقتها مصنع متكامل للسموم النفسية.
إن تشخيص صاحب الود المسموم يتطلب مهارات مخبرية عالية؛ فهو لا يشتمك أبداً، بل يثني عليك بطريقة تجعلك تشك في عقلك وأخلاقك وكرامتك، يبدأ العرض عادةً بعبارات تبدو للوهلة الأولى مديحاً بريئاً، مثل ما شاء الله عليك، عندك جرأة غريبة تفعل كذا، الله يعين اللي حواليك، هنا يتم استخدام القفاز الحريري لإخفاء لكمة حديدية موجهة مباشرة إلى جبهتك، تليها الشفقة العدوانية، وهي تلك الحالة التي يلقاك فيها أحدهم بدموع الحزن المصطنع ليقول لك «يا حرام، لسه في مكانك؟، ما تحس بكسرة الخاطر وأنت تشوف زملائك طاروا»، هو لا يريد مواساتك، بل يريد أن يذكّرك بكل ثانية بأنك لست في المكان الذي يليق بك، ولكن تحت غطاء الخوف المتبادل على مصلحتك، ويضاف إلى ذلك الوجه المبرمج بدقة على الابتسام الدائم، ليعمل كغطاء محكم لبركان من الغيرة، أو الرغبة الخفية في إفساد مزاجك اليومي.

العدو الواضح يسهل عليك رصده واتخاذ التدابير ضده، لأن هجومه مكشوف أمام الجميع ويجعلك تتأهب وتدافع عن نفسك بكل ثقة، أما الصديق المزيف فيستخدم كلمات ناعمة ونصحاً سمّياً يجعلك تتشكك في نفسك وتشعر بتأنيب الضمير، مما يجعل كشفه صعباً ويحتاج إلى ذكاء ميداني عالٍ لتحليل النوايا الخفية خلف الكلمات المنمقة، فإذا وجدت نفسك محاطاً بكتائب الود المسموم، فلا داعي للارتباك؛ فالتعامل مع هذا النوع من الكائنات يتطلب إستراتيجيات دقيقة ومدروسة، الحل الأول هو التعامل ببلادة مفرطة؛ فعندما يرمي أحدهم سهماً مغلّفاً بالورود، استقبله ببرود شديد وكأنك لم تفهم الخبث الكامن خلفه، وقل له بكل بساطة، الله يجازيك خير على شعورك الطيب، ودعه يحترق في ناره الخاصة وهو يرى سهامه تتكسر على صخرة برودك، والإستراتيجية الثانية هي سحب البساط القانوني من تحت قدميه عبر مواجهته بالمعنى الحرفي لمديحه، كأن تجيب من وصفك بالطيبة المفرطة بابتسامة، صدقت، الطيبة ورثتها عن أهل الكرم، وشكراً لتأكيدك على هذه النخوة، وأخيراً، احرص على قطع الإمدادات العاطفية تماماً، بحيث لا تشارك هذا النوع من الأشخاص تفاصيلك الحساسة أو إنجازاتك أو مخاوفك.
الحياة أقصر من أن نقضيها في فك شفرات النوايا الملتوية، وتحليل الابتسامات المشبوهة، فالود الصادق يريحك، والعداء الواضح يكفيك شر الحيرة، أما الود المسموم فهو مجرد استنزاف مجاني للطاقة العصبية، وتذكر دائماً أن تتناول جرعاتك من الضحك الساخر يومياً كوقاية ضد كل من يحاول إطعامك السم في عسل المجاملات، واجعل مسافتك الآمنة هي حصنك المنيع.

(هل تعرضت يوماً لموقف طريف مع أحد أصحاب الود المسموم، وكيف تعاملت معه؟).

أخبار ذات صلة

سيدة المدائن.. حب وحنين
نحـــــــــاس (2)
التفاعل.. بين الإيجابية والسلبية وانعدامه
رسالة من غرفة غسيل الكلى
;
اتفاق مكة.. بداية مسيرة شرق أوسط جديد
مديرو المساجد!
عندما ينخفض السهم عن سعر الاكتتاب.. من المسؤول؟
بيض ودجاج!!
;
في الجهة الأخرى من باب العيادة
مدرسة الصحراء بالمسيجيد
فرقه «أبو سراج».. نصف قرن من الأصالة
الأثر الباقي.. الذّكر الحسن بعد الرحيل
;
هل النفس أقرب إلى الفجور؟!
الفلسفة والدين
(موهبة).. في المشهد التعليمي
مراجعة التعليم لقراراتها.. ونداء لأولئك المعلمات