كتاب

البيئة تصنع الفرق

«بيئة العمل تصنع الفرق»، يقول الدكتور ماهر بن جديد، تعليقًا على ملاحظتي أن موظفي مستشفى الملك فيصل التخصصي يتميزون باللطف وحسن الخلق، من الحارس على الباب إلى الاستشاري الكبير، مرورًا بموظفي الصيدلية والتمريض.
ويستكمل الدكتور ماهر تفسيره لملاحظتي: «الإدارة التي تعطي الموظف حقه، وتحسن للمحسن وتحاسب المسيء، وتوفر للجميع البيئة الصالحة للعمل والإنتاج، هي التي ترفع المعنويات، وتدفع باتجاه التجويد، وتجعل المتعامل يخرج بما خرجتَ به من انطباع جميل».

ربطت ما قاله بتجاربي العديدة مع مقدمي الخدمة، في الماضي والحاضر، داخل بلادنا وخارجها، وأضفت إليها أثر البيئة المجتمعية التي تشكّل شخصية العاملين، فاتضحت الصورة أكثر.
لا شك أن الأسرة والحي والمدرسة تضع بصماتها الأولى على طباع الناس. ولكن الإدارة الجيدة، سواء للمجتمع ككل أو لبيئة العمل، تستكمل الدائرة من حولنا، فتغرس وتعزز القيم والسلوكيات التي تنعكس على المحيط، في المنشأة والبيت والطريق.

ومن كرم الله علينا أننا نشأنا في بيئة تغلب عليها أخلاق العرب والمسلمين، من سماحة وكرم وأدب. نوقّر كبيرنا، ونرحم صغيرنا، ونكرم ضيفنا، ونخشى الله في خلقه. ولذلك يسهل على النظام ومن يقوم عليه أن يضع الحدود والموانع فنقف عندها، وأن يرسم مساحات الفضيلة والعطاء والأداء فنتحرك فيها، وأن يقدم القدوة الحسنة فنتمثلها.
تذكرت كل ذلك البارحة، وأنا أتأمل حضور مجلس صديقنا العائد بالسلامة من رحلته العلاجية في ألمانيا، فهد بن عبدالعزيز المقيرن. فقد تنادينا، نحن أحباؤه، إلى مجلسه المعتاد في فندق كراون بلازا بالمدينة الرقمية في الرياض، لنتواصل بعد انقطاع، ونتصل به جماعيًا لنطمئن عليه.
علم بذلك، فعجّل بعودته ليشاركنا اجتماعنا، وفاجأ الحضور وأسعدنا بطلّته ونشاطه وحيويته، واطمأنت نفوسنا إلى نجاح رحلته العلاجية.
وكالعادة، تنقل الحديث بين شتى الموضوعات بروح الفكاهة والمحبة التي تميز لقاء الأصدقاء؛ فمن السياسة إلى الرياضة، ومن التاريخ إلى التجارة، ومن الطرائف إلى الاستثمار.
ورغم الحماس والمصارحة، وتفاوت الأعمار والاتجاهات والآراء، لم يخطئ أحد في حق أحد، ولم تترك الساعات التي امتدت من التاسعة مساءً حتى الواحدة والنصف صباحًا في النفوس إلا مزيدًا من الود والشوق إلى اللقاء التالي.
قد يرى البعض أن هذا هو الأمر الطبيعي، وأنا معهم. ففي كل مكان تعاملت فيه مع الناس، رسميًا أو عابرًا، وفي كل لقاء جمعني بحديث معرفة أو قديمها، بقليل من الحضور أو كثيره، بالكبير أو الصغير، أكتشف أننا نعيش في كنف مجتمع جميل. وقد لا تدرك قيمة هذا الجمال وكنهه إلا إذا عشت في غيره، مغتربًا أو سائحًا أو عابر طريق.
ولعل الروح ذاتها التي دفعت بصديقنا المحتفى به إلى التعجيل بالعودة، رغم جمال أوروبا واعتدال طقسها في عز الصيف، هي التي جعلتني وغيري لا نشعر هذا العام بحاجة إلى الاصطياف خارج البلاد. إنها تلك الروح الباسمة الجميلة التي لا تجدها إلا بين أهلك وربعك، ولا تستشعر دفئها على هذا النحو إلا في بلدك، فيمن تلتقي بهم، وتتعامل معهم، وتتلقى خدماتهم.
أكتب هذه المشاعر والأفكار على جوالي وأنا أنتظر دوري لمقابلة الطبيب. ربما تأثرًا بالمعاملة الطيبة التي اعتدتها في كل مكان، من المطار إلى الفندق والمستشفى. وربما لأنني أستعيد ذكريات البارحة. أو لأن كلمات الدكتور ماهر، الذي دعاني إلى الإفطار ثم أوصلني إلى المستشفى، ما زالت تتردد في ذهني عن بيئة العمل.
بل هي، في الحقيقة، أوسع من ذلك: بيئة الحياة التي تصنع الفرق.. كل الفرق.
اللهم أدمها نعمة.

أخبار ذات صلة

«الشعر».. مرَّة أُخرى
خطبة الجمعة.. كمنبرٍ إعلامي
زيارة فرنسا.. في ذاكرة العالم
إعلامنا الرياضي.. من صناعة التوتر إلى الوعي
;
وهم الحقيقة.. حين لا نرى إلا ما نريد
التمكين.. شراكة المرأة مع الرجل (2)
المسجد النبوي الشريف.. وتوعية المصلين
حرب الخفايا والنوايا..!!
;
إذا تفاعلت مع السلبيات فأنت ضحية للخوارزميات..!
يا هؤلاء: السعودية معقل التوحيد
الاقتصاد الأزرق
رئيس تنفيذي.. لا تكلمني!!
;
(وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ)
هل نحب العمل.. أم نعتاد عليه؟
جرس المدرسة لا ينهي الحكاية
اليابان تغطس.. والصين تراقب!