كتاب

فإن هم ذهبت أخلاقهم.. ذهبوا

بعد إجازةٍ سنويَّةٍ وفسحةٍ ترفيهيَّةٍ، عاد أبناؤنا وبناتُنا إلى مقاعدِ الدِّراسة التي انتظرتهم بشغفٍ، فقد كرهت الفصولُ والقاعاتُ الوحدةَ؛ لأنَّ عبيرَ ما تتنسَّم يأتِي من تلك الأرواح الطَّاهرة التي جاءت لطلب العلم، أو تلك التي جاءت لبناء مستقبل الوطن، فيزدادُ ازدهارًا وسموًّا.
‏نعم.. المدرسةُ هي بستانُ العلم، والمعلِّمُ الشجرةُ الباسقةُ التي تُعطي بسخاءٍ ما ارتشفته عبر السِّنين.. وأمَّا أجرُ المعلِّم فهو كما قال نبيُّنَا -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: (إنَّ اللهَ وملائكتَهُ وأهلَ السَّماواتِ والأرضِ حتَّى النَّملة فِي حجرِهَا وحتَّى الحُوت ليُصلُّونَ علََى معلِّم النَّاسِ الخيرَ).. وفي المقابل هناك منزلةٌ رفيعةٌ لطالب العلم، كما قال تعَالى: (‏‏يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ).

وما أودُّ التحدُّث عنه هو الانضباطُ الأخلاقيُّ لطلاب العلم؛ لأنَّ الأخلاق والتَّربية لا تأتي إلَّا بالممارسةِ والقُدوةِ الحسنةِ، سواء في المنزلِ أو المدرسةِ.
‏وإنْ كانت هناك مادَّة التَّربية الوطنيَّة، فإنَّنا نحتاجُ إلى تفعيل ما يُسمَّى (بالمهاراتِ الحياتيَّة)، والتي منها على سبيل المثال (احترامُ الوقتِ)؛ فكثيرٌ من اللقاءات العائليَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة، نرى التَّأخير في الحضور، وهو انتقاصٌ من قيمة الإنسان، وتضييعٌ للجهود، والطَّاقات. فالوقتُ هو الحياةُ، وقد تعلَّمنا منذ الصغر (إنَّ الوقتَ كالسَّيفِ، إنْ لمْ تَقطعهُ قَطعكَ).. وكانت مادَّة النسخ من أجمل المواد التي بها جمل نقرأها ونكتبها عدَّة مرَّات، وهنا تشترك الحواس لبلورة تلك القِيم إلى مفاهيمَ وسلوكٍ.

ولا بُدَّ أنْ يكون هناك القُدوة التي تحترمُ الوقت في المنزل، وأنْ يحترم الوالدان أوقات الطَّعام والنَّوم والمذاكرة.. وأنْ يكون لكلِّ نشاط وقته الذي لا يتعدَّاه الطفل؛ لأنَّ بناء الشخصيَّة يبدأ مبكِّرًا، فالطفلُ يتعلَّم الانضباط والتنظيم منذ الصِّغر، وهي من أهم مبادئ نجاحه المستقبلي، خاصةً في القيادة، فلا يمكن لقائد أنْ ينجح دون تنظيم، ولا يمكن للتنظيم أنْ يتحقق دون انضباط للوقت والذات.. فالقائد المنضبط لا يديرُ وقته فحسب، بل يديرُ فرق العمل والإدارات وغيرها، وبهذه الأهميَّة لا بُدَّ أنْ نعيد النظر في برامجنا المدرسيَّة في كيفيَّة تحقيق قيم الاحترام عند الناشئة، ومن خلال المناشط، ومنها الإذاعة المدرسيَّة، لترسيخ مبادئ أخلاقنا الإسلاميَّة، ومنها احترامُ الآخرِين: المعلِّم، الكِبَار، الجِيرَان، الخَدَم... وغيرهم، وأنْ يكون الآباءُ والأمهاتُ والمعلِّمُونَ والمعلِّماتُ هُم فعلًا القُدوة الحَسنة في قِيم الاحترام والتقدير للآخرين. ولعل أجمل ما قاله الشافعي -رحمه الله- لأبي عبدالصمد، مؤدِّب أبناءِ هارون الرَّشيد «ليكنْ أوَّل مَا تبدأ بهِ مِن إصلاحٍ أبناءِ أميرِ المؤمنِينَ إصلاح نفسكَ، فإنَّ أعينَهُم معقودةٌ بعينكَ، فالحَسن عندهم ما تستحسنُه، والقبيحُ عندهم ما تركتهُ».
‏وبعض من فلاسفة الإغريق مثل أرسطو، وأفلاطون وفلاسفة المسلمِين مثل الفارابي، قد أقامُوا نظريَّاتهم على (الأخلاق)، وما المدينةُ الفاضلةُ التي تخيَّلها أرسطو، وأنَّها مجتمعٌ لتحقيق السَّعادة والفضيلة للإنسان، إلَّا وتقوم على الأخلاق، ونتمنَّى أنْ تتناول مادَّة الفلسفة التي طُبِّقت ‏في بلادنا في المرحلة الثانويَّة هذه الجوانب؛ لأنَّ (المدينة الفاضلة) مقترحٌ للإنسانِ، معلِّمًا كان أو موظَّفًا، أو عاملًا، أو مسؤولًا، وحمل الفضيلة معه في كلِّ مكان.
‏ويكفينا ما جاء به أميرُ الشعراء أحمد شوقي في الأخلاق:
‏إِنَّما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ
فإنْ هُمُ ذَهبتَْ أخلاقُهُم ذَهَبُوا
‏وهذا من شعر الحكمة، التي لا بُدَّ أنْ نستفيد منها في إعدادنا للجيل.. فلدينا دولةٌ تسعى للوصول للقمَّة والصَّدارة بهمَّة أبنائها، وحتمًا بأخلاقِهم أيضًا.

أخبار ذات صلة

النهاية المفاجئة
للكلمة مجلس.. وللحوار أفق
ما بعد كوفيد
حتى في المحلات.. ذابت التخصصات!
;
الجامعة التي تُموّل مستقبلها.. قوة للموارد الذاتية
الشخصية السامة
النصافي.. والذكاء الاصطناعي
من الإنسيكلوبيديا إلى HUMAIN.. كيف تغيرت حكاية المعرفة
;
المربي موسى السليم.. حكاية عطاء في ذاكرة التعليم
ما الذي يجري على الجبهة الإيرانية؟!
نفــــــاق
تسعير المخاطر في السوق السعودي
;
المملكة.. تستعرض تجاربها الناجحة أمام العالم
تفويض.. بلا تفويض!
ملهي بن سلامة (ابن الوطن البار)
السعودية وديناميكية الاستثمار وتبادل المصالح