منتدى

برجس.. من قسوة الجبال إلى رحابة مكة

برجس.. من قسوة الجبال إلى رحابة مكة
تأخذنا رواية 'برجس'، للكاتب تركي المالكي، إلى الحجاز القديم، لا بوصفه زمنًا انقضى، وإنَّما عالمًا نابضًا بالحياة؛ بجباله وقُراه وطُرقه وذاكرته الشعبيَّة، وبالإنسان الذي عاش في هذا العالم، وشكّلته ظروفه، كما شكَّلتها أحلامه ومخاوفه وعلاقاته بالآخرين.
وفي باكورة تجربته الروائيَّة، يستعيد تركي المالكي تفاصيل الحياة في قُرى الحجاز ومكَّة، ويمزج بين الحكاية الشعبيَّة والسَّرد الروائي، وبين حركة الشخصيَّات والأسئلة الكامنة خلف مصائرها.

تبدأ الحكاية بمحمد، الفتى ابن السادسة عشرة، الذي يغادر قريته مع عَمِّه متجهًا إلى مكَّة طلبًا للعلم. ومنذ تلك الرحلة تنتقل الرِّواية من عالم الألفة إلى عالم أكثر اتِّساعًا، عالم تتعدَّد فيه الوجوه والتجارب، وتنكشف فيه أمام الفتى حياة لم يكن يعرف منها إلّا جانبًا محدودًا.
لا يأتي الحجاز في رواية 'برجس' مجرَّد خلفيَّة للأحداث، فالجبال، وشظف العيش، والعمل اليومي، تترك ظلالها على النَّاس وطباعهم. ويظهر ذلك بوضوح في علاقة محمد بوالديه، فالأب يبدو قاسيًا، والأم قليلة البوح، لكن لحظة الرحيل تكشف أنَّ وراء ذلك الصمت عاطفة لم يجد أصحابها وقتًا أو طريقة لإظهارها.

وهنا يلتقط الكاتب واحدة من أجمل لحظات الرِّواية: اللَّحظة التي يكتشف فيها الإنسانُ مشاعر أقرب النّاس إليه بعد أنْ يتهيأ للابتعاد عنهم.
رحلة محمد إلى مكَّة ليست رحلة لطلب العلم فحسب؛ إنَّها رحلة خروج من عالم صغير يعرفُ كل تفاصيله، إلى عالم واسع تتعدَّد فيه الشخصيَّات والحكايات. فالطريق نفسه يصبح جزءًا من تعليمه، والنَّاس الذين يلتقيهم يوسِّعُون نظرته إلى الحياة. ولهذا يبدُو محمد أكثر من بطل للحكاية؛ إنَّه عينُ القارئ التي تدخل مكَّة للمرَّة الأولى، وتكتشف معه عالمها المتنوِّع.
ومع وصول محمد إلى مكَّة تتقاطع في الرِّواية مسارات تبدو متباعدة. هناك محمد، القادم طالبًا للعلم، وهناك الأغواتُ الذين ارتبطت حياتهم بخدمة الحرم، وهناك برجس، الرَّجلُ الذي جاء إلى الرِّواية محمولًا على ماضٍ، فضيَّع من قطع الطريق والخيانة.
وهنا تصبحُ مكَّة أكثر من مكان تجري فيه الأحداث؛ إنَّها النقطة التي تجمع المختلفين. طالب علم، ورجال اختارُوا خدمة الحرم، ورجل يحاولُ أنْ يجد طريقًا آخرَ بعد أنْ أثقلته أخطاؤه.
ومن خلال حكاية الأغوات، يفتح المالكي نافذةً أُخرى على تاريخ مكَّة الاجتماعي، فلا يقدِّم الماضي بوصفه معلوماتٍ، وإنَّما من خلال البشر الذين عاشُوا تفاصيله.
أمَّا برجس، الشخصيَّة التي تحمل الرواية اسمها، فيمثِّل الجانب الأكثر تعقيدًا في الحكاية. فهو رجل ارتبط اسمه بالشَّجاعة، وقطع الطريق، وخيانة فيحان، الرَّجل الذي أنقذَ حياته، ثمَّ يجد نفسه أمام سلطة المدينة التي تدفعه إلى مواجهة ماضيه، والسير في طريق التَّوبة.
واللَّافت أنَّ الرِّواية لا تبرِّئ برجسًا من خطيئته، لكنَّها أيضًا لا تختصره فيها. فالشخصيَّة تتحرَّك بين ماضٍ لا تستطيع محوه، وحاضر يحاول أنْ يصنع فيه اختيارًا مختلفًا.
ومن هنا يصبح برجس سؤالًا أكثر منه شخصيَّة: هل يبقى الإنسانُ أسيرًا لما فعله، أم يمكن أنْ يبدأ من جديد؟
يبدو محمد، وبرجس -للوهلة الأولى- شخصيَّتين لا يجمعُ بينهما شيءٌ، أحدهما فتى في بداية الطريق، والآخرُ رجلٌ يحمل وراءه طريقًا طويلًا من الأخطاء.
لكنَّ الرِّواية تضعهما في مسارين متقابلين: محمد يخرج من قريته ليكتشف العالم، وبرجس يعود إلى نفسه ليعيد النظر في الطريق الذي قطعه.
كلاهما في رحلة تحوُّل، وإنْ اختلفت نقطة البداية. أحدُهما يتَّجه نحو المستقبل، والآخرُ يحاولُ أنْ يتصالح مع ماضيه.
ومن نقاط قوَّة رواية 'برجس' قدرتها على استعادة حياة المكان من خلال التفاصيل: البيوت، والجبال، والآبار، والزراعة، والرعي، والأسفار، وحلقات العلم، والحرم. وتزداد هذه الصورة حيويَّة بحضور الحكاية الشعبيَّة، التي كانت جزءًا من ذاكرة النَّاس، تنتقل بينهم في المجالس، وتختلط فيها الحقيقة بالموروث، والخوف بالعجائب.
بهذا لا يكتفي المالكي بسرد حكاية تقع في الحجاز القديم، وإنَّما يعيد بناء شيءٍ من عالمه الاجتماعيِّ والإنسانيِّ، ويمنح القارئ فرصةً للنظر إلى ذلك الزَّمن من خلال النَّاس الذين عاشُوا فيه، وليس من خلال الأحداث الكبرى وحدها.
* خاتمة..
عندما تنتهي من قراءة رواية 'برجس'، لا يبقى في الذاكرة برجس وحده، ولا محمد وحده، وإنَّما يبقى عالم كامل: قرية تحرسها الجبالُ، وأب وأُم لم تظهر عاطفتهما إلَّا عند الرَّحيل، وفتى خرج طلبًا للعلم، وأغوات ارتبطت حياتهم بخدمة الحرم، ورجل يحاول أنْ يجد طريقًا آخر بعد ماضٍ ثقيل.
وربما هنا تكمن جاذبيَّة الرواية، فهي تعود إلى الحجاز القديم، لكنَّها لا تقدِّمه كصورة جامدة من الماضي، بل كعالم يتحرَّك فيه بشر لهم مخاوفهم، وأحلامهم، وتناقضاتهم.
وبين القرية ومكَّة، وبين محمد وبرجس، تتَّسع الحكاية من قصَّة محليَّة إلى سؤالٍ إنسانيٍّ: ماذا يفعل المكانُ بالإنسانِ؟ وماذا يفعلُ الإنسانُ بمَا تركَهُ المكانُ في داخلهِ؟

أخبار ذات صلة

عقد من التحول.. من 45 دولة تستهدف سائحنا إلى 122 مليون زائر عندنا
عقد من التحول.. من 45 دولة تستهدف سائحنا إلى 122 مليون زائر عندنا
ما لا يراه الناس خلف البحث العلمي
ما لا يراه الناس خلف البحث العلمي
من أوائل مالكي السيارات في ينبع قديمًا
من أوائل مالكي السيارات في ينبع قديمًا
تعلم الهدوء
تعلم الهدوء
;
قراءة في الجلسة الحوارية لمعالي وزير التجارة "منظومة التجارة في مسار الرؤية"
قراءة في الجلسة الحوارية لمعالي وزير التجارة "منظومة التجارة في مسار الرؤية"
نجاح مبهر في مبادرة "المُزارع الصغير" ببريدة
نجاح مبهر في مبادرة "المُزارع الصغير" ببريدة
الحوثي أخطأ في قراءة السعودية
الحوثي أخطأ في قراءة السعودية
عندما يتحول السلم الأمريكي إلى مورد
عندما يتحول السلم الأمريكي إلى مورد
;
رحل عبدالله البلادي.. رجل العطاء
رحل عبدالله البلادي.. رجل العطاء
لا تختصروا مستقبلهم في اختبار
شارة الكابتن في الهلال.. هل حان الوقت لتغادر إطارها المحلي؟
شارة الكابتن في الهلال.. هل حان الوقت لتغادر إطارها المحلي؟
سعيد العنقري.. سيرة وفاء ومدرسة أبناء
سعيد العنقري.. سيرة وفاء ومدرسة أبناء
;
الألم والأمل في المنظمات
الألم والأمل في المنظمات
الجهود السعودية في فصل التوائم أمر مثير للإعجاب
الجهود السعودية في فصل التوائم أمر مثير للإعجاب
اللهم أعطني فوق الصبر صبرًا
اللهم أعطني فوق الصبر صبرًا
بعد الظلم
بعد الظلم