حديث الأربعاء
وجدتني في مكة المكرمة ذات يومٍ قريبٍ تائهاً، لا أعرف الطريق إلى مكان كنت أود الذهاب إليه. شعرت بخجل أن أتوه في مدينة ولدتُ ونشأتُ فيها.. المدينة التي عشت فيها أحلى أيام عمري. حاولت أن أتخذ من بعض السابلة مرشداً.. أين أجياد.. أين الشبيكة.. أين القرارة.. أين الشامية؟ لم أجد مَن في وسعه أن يعرف، تلك المواقع.. لقد كان كل الذين يمرون أمامي، غرباء جاءوا من بلاد بعيدة، لا يسألون إلا عن بيت الله الحرام.. عن الكعبة.. لا شيء يشغلهم غير العبادة ومتعة العيش بأمان بجوار الحرم. متعة لن يجدوها إلا هنا، في هذه الديار المقدسة. وتلفت يمنة ويسرة علّني أجد من المعارف أحداً.. جلّهم قضوا أو هاجروا إلى أحياء جديدة.. لقد اختفوا بزوال الأحياء المحيطة.. آلاف الدور أزيلت خلال السنوات الأخيرة، من أجل توسعة الحرم، ليتسع لملايين البشر الذين تهفو أفئدتهم للحج والعمرة والزيارة.. أصبحت الأحياء المختفية جزءاً من المسجد الحرام أو محيطه. إنها حقيقة، توسعة تاريخية، لا أظن أن العالم الإسلامي على مدى أعوام قادمة، سيشهد أكبر منها أو أن هناك من يقدر على أن يفعل مثلها. وفي داخل الحرم الممتلئ بالطائفين والعابدين، لا بد أن يستعيد من قضى شطراً من عمره، داخله أو بالقرب منه، ذكريات طفولة وأيام صبا، كان منزلنا على بعد خطوات منه وكنا نتخذه مكاناً للعبادة، ومكاناً لاستذكار الدروس نقضي فيه من الوقت ما نقضيه في المدرسة. تتجدد الصورة، وأنا أقرأ هذه الأيام كتاب 'تاريخ أمة في سير أئمة' للعلامة الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد الذي يترجم لأئمة الحرمين الشريفين وخطبائهما منذ عهد النبوة إلى يومنا. أما المقدمة التي تحدث فيها عن الكعبة وعمارة الحرمين عبر العصور فهي وحدها تصلح أن تكون كتاباً. عمل مأجور وجهد رائع!