منتدى

جريمة الواسطة

مجتمعنا تحكمه العاطفة، ويحب أفراده فعل الخير ومساعدة الغير ولعل ذلك من أهم أسباب انتشار الواسطة في مجتمعنا. والواسطة هي مساعدة شخص ما في إنجاز أو تسهيل مُهمة، يقوم بها إنسان مستخدماً صلاته أو نفوذه لدى من بيده القرار لتحقيق مصلحة لشخص لا يستطيع أن يحققها بجهوده الذاتية.

والواسطة قد تكون محمودة ومن باب الشفاعة الحسنة ، ويكون ذلك بمساعدة صاحب الحق في الوصول إلى حق مشروع ومقرر له قانوناً، لكنه لا يملك الوسائل التي تمكنه من الوصول إلى حقه، أو أنه قد حرم منه لسبب لا يعود إليه هو. كما قد تأخذ الواسطة المحمودة شكل مساعدة شخص لإعفائه من ما هو غير واجب عليه قانوناً، إلا أنه ألزم به من دون سند قانوني ومن غير وجه حق.


كما أن الواسطة قد تكون عملاً مذموماً ومن باب الشفاعة السيئة وشكلاً من أشكال الفساد الإداري، إذا كانت لمساعدة شخص للحصول على منفعة لا يستحقها قانوناً، أو لإعفائه من القيام بما هو مفروض عليه قانوناً، مما يترتب عليه مخالفة القانون أو إلحاق الضرر بالآخرين أو الاثنين معاً. ولعل من أهم الأضرار التي تلحقها الواسطة المذمومة بالمجتمع: فتح باب الرشوة، تفشي الفساد الإداري، إعاقة التطوير والتنمية في المجتمع، وغياب العدالة والمساواة في استفادة الجميع من مقدرات البلاد.

لقد جرم المشرع السعودي الواسطة المذمومة واعتبرها في حكم الرشوة وذلك في نفس القانون الذي يجرم الرشوة، حيث نصت المادة الرابعة من نظام مكافحة الرشوة (الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/ 36وتاريخ 29/12/1412هـ) على أن كل موظف عام أخل بواجبات وظيفته، بأن قام بعمل أو امتنع عن عمل من أعمال تلك الوظيفة نتيجة للوساطة يعد في حكم المرتشي. فأي موظف عام يعمل بصفة دائمة في أحد أجهزة الدولة، يستجيب للواسطة، ويقوم بسبب تلك الواسطة بعمل، أو يمتنع بسببها عن عمل من الأعمال التي تقتضيها وظيفته وبشكل مخالف للقانون (العبرة بمخالفة القانون)، فإنه يكون مستحقاً للعقوبة المنصوص عليها في القانون وهي: إما السجن لمدة أقصاها ثلاث سنوات، أو الغرامة بمبلغ لا يتجاوز مائة ألف ريال، أو بالعقوبتين معا، وذلك بحسب ظروف وملابسات القضية.


أما إذا استجاب الموظف للواسطة، وحقق مصلحة صاحب الحاجة، إلا أنه لم يخالف بذلك القانون بل عمل بما تفرضه عليه مسؤوليات وظيفته، ففي هذه الحالة لا تقع جريمة الاستجابة للواسطة، لانتفاء مخالفة القانون، ولا يكون الموظف بالتالي مستحقاً للعقوبة.

لابد من تغيير نظرة المجتمع للواسطة، عن طريق نشر الوعي بين أفراد المجتمع وتوضيح الفرق بين فعل الخير و»الفزعة» (الواسطة المحمودة) من جهة، والواسطة المذمومة من جهة أخرى، وبيان الضرر الذي قد تلحقه الواسطة المذمومة بالمجتمع؛ ونتمنى على الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد أن تضطلع بدورها في هذا المجال عن طريق إقرار مبدأ الوضوح (الشفافية) داخل الدوائر الحكومية، والعمل على تسهيل الإجراءات والتوعية بها، منعاً للاستثناءات غير النظامية، بالإضافة إلى تفعيل الحملات التوعوية في وسائل الإعلام المختلفة، والتنسيق مع العلماء وخطباء المساجد والمؤسسات التعليمية ليقوم كل بدوره في التوعية والتحذير من الواسطة المذمومة، ويجب أن لا ننسى دور أهل الحسبة في محاربة الواسطة المذمومة.

أخبار ذات صلة

نزاعات الملكية المشتركة والحاجة إلى آلية متخصصة لتسويتها
نزاعات الملكية المشتركة والحاجة إلى آلية متخصصة لتسويتها
عبدالعزيز سرحان.. نموذج الإنسان الصالح
عبدالعزيز سرحان.. نموذج الإنسان الصالح
هل تصبح طرق الحج ممرات خضراء؟
هل تصبح طرق الحج ممرات خضراء؟
حجٌ آمن.. في وطن الأمان
حجٌ آمن.. في وطن الأمان
;
ناسك في حرم الحرف!
ناسك في حرم الحرف!
كن لنفسك... لا للآخرين
كن لنفسك... لا للآخرين
بين الحضور المؤقت والأثر الدائم
بين الحضور المؤقت والأثر الدائم
حي النزهة... الواجهة الأولى لمطار جدة
حي النزهة... الواجهة الأولى لمطار جدة
;
تركي العجمة.. نجاح لا تصنعه الإثارة بل المهنية
تركي العجمة.. نجاح لا تصنعه الإثارة بل المهنية
أنسنة التعامل
أنسنة التعامل
مركز الحوكمة والدعم الهندسي الوطني
مركز الحوكمة والدعم الهندسي الوطني
فحص المخدرات والأمراض النفسية ما قبل الزواج
فحص المخدرات والأمراض النفسية ما قبل الزواج
;
إدمان الدليفري
تحديات كبيرة في انتظار "الأمين الجديد"
تحديات كبيرة في انتظار "الأمين الجديد"
جهود جليلة وتفانٍ مستمر
جهود جليلة وتفانٍ مستمر
حين يصبح الانتظار سكينة
حين يصبح الانتظار سكينة