كتاب

تنبــــــلة

يصف العنوان الكسل، والبلادة، وعدم التفاعل.. ولو تأملت في أبعاد المعنى؛ ستجد أن العديد ممن يمارسها بإتقان يتبعون بعض الأسس في ما يتعلق بالنوم العميق الطويل، والتأخير، وعدم احترام المواعيد، والأهم من كل هذا هو العلاقات، سواء كانت مع الآخرين، أو حتى مع النفس. وسأبدأ بأمثلة من أبعد الأماكن: عالم الكيمياء يحتوي على ملايين النعم التي تتحفنا، ومنها خصائص العناصر التي تشكل مجموعات وكأنها «عائلات» متشابهة في خصائصها.. وإحدى أهم تلك العائلات هي العناصر الخاملة أو النبيلة.. وهي عناصر تنبلة، لأنها لا تتفاعل مع أي من العناصر الأخرى إلا تحت ظروف شديدة جداً.. تخيَّل أن أحد تلك العناصر اسمه «أرجون»، ومعناها «الكسول».. وعلى رأس تلك المجموعة نجد غاز «الهيليوم». وقصته وخصائصه عجيبة جداً، فهو ثاني أكثر العناصر انتشاراً، ويكون حوالى ربع محتويات الكون بأكمله.. وكان أول العناصر التي تم اكتشافها في الفضاء الخارجي.. وتحديداً تم اكتشافه بالصدفة على سطح الشمس عام 1868 واسمه جاء من اسم الشمس «هليوس».. وكان الاعتقاد أنه لا يوجد على الأرض بتاتاً، إلى أن اكتشفت منه كميات كبيرة في أماكن مختلفة، ومن أهمها قطر والجزائر الشقيقتان.. ومن العجائب أن عنصر الهيليوم قد يكون أحد أهم مصادر الطاقة بالرغم من اقترانه بالتنبلة.. يعتقد العلماء أنه متوفر بكثرة على القمر بأشكال تسمح بتوليد كميات هائلة من الطاقة.. وقد يكون هذا أحد مبررات حماس الدول المختلفة للعودة إلى القمر خلال السنوات القادمة.. وللعلم فهو من أساسيات منظومات الدفع للمركبات الفضائية، وبالتالي فقد نعيد النظر في وصف التنبلة.

ولنعود إلى موضوعنا للمزيد من العجائب.. معظم الكائنات تمارس الكسل الشديد، ولكن ليس كما نتوقع.. بعضها لتوفير الاقتصاد في الحركة بهدف ترشيد الطاقة، وبعضها لتفادي توليد الحرارة الزائدة، وبعضها للاختباء لتيسير صيد الفريسة، وبعضها لتفادي التعرض للهجوم، وبعضها لحماية موطنه، وبعضها لتيسير عملية الهضم لبعض الولائم الدسمة جداً.. كل تنبلة خلفها مقاصد مهمة بأمر الله عز وجل.. ولابد من ذكر عالم الطيور لأن حركتها الجوية صعبة وتتطلب النشاط المستمر.. ولكن الواقع أن باستثناء أنشطة الهجرات الموسمية، نجد أن حركة المخلوقات الطائرة اليومية قليلة ولا تتعدى عادة ثلث اليوم كأقصى حد. والمفاجأة تأتينا من عالم الحشرات، وبالذات المخلوقات التي تتمتع بسمعة النشاط مثل النحل.. في المتوسط تقضي معظم يومها في حالة سكون أو في حركة قليلة على «حركرك» التنبلة.. وجدير بالذكر أيضاً موضوع السبات للحيوانات المختلفة من الضفادع، والدببة، والحشرات، والخفافيش، والسلاحف، وغيرها.. كلها تمارس التنبلة الشتوية أو الصيفية لأسباب وجيهة، ومن أهمها التعامل مع تغيرات الطقس وندرة الغذاء.


وهنا لابد من وقفة تأمل في سلوكيات الإنسان، فهو من أكثر المخلوقات نشاطاً، ولكنه من أكثرها في إتقان فنون التنبلة، سواء كانت خلال ساعات الدراسة، أو العمل، أو الواجبات المنزلية.. ومن تلك الفنون اختباء التنبلة تحت طبقات من البكش، لتبدو وكأنها مستويات نشاط عالية.

* أمنيــــة:


مما لا شك فيه أن أصعب أنواع التنبلة هي تنبلة الضمير، ونشهدها اليوم خلال حرب غزة.. الضمير العالمي لم يتأثر بالشكل الكافي واللائق بممارسات القسوة والعنف.. أتمنى أن نشهد صحوة إنسانية لإنهاء هذه الحرب الشعواء التي تستهدف الإنسان والعمران، والله يكون في عون الجميع، وهو من وراء القصد.

أخبار ذات صلة

كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
;
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟
فصل الموظف.. هو آخر الحلول
;
ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!