كتاب

دمــــــــــــــــوع

من الغرائب أن معظم الدموع لا علاقة لها بالحزن، ولا حتى بالآلام.. كمية الدموع التي ينتجها الإنسان في المتوسط تفوق محتوى نصف علبة «فيمتو» يومياً.. علماً بأن هذه الدموع العادية تُنتج بدون التعرض لمسببات الحساسية، أو الحالات النفسية التي قد تسبب البكاء.. وفضلا، تأمل في أول ما نفعله في حياتنا بمشيئة الله.. البكاء طبعاً.. لكل مناسبة بدءاً من الجوع، والرغبة في النوم، والخوف، والبلل، والجفاف.. وأكثر.. كلها يعبر عنها حديثو الولادة بالبكاء بشكل أو بآخر.. ومعظمها لا علاقة لها بالألم أو الحزن.. وحتى عندما يكبر البشر، تصبح للدموع لغات تشمل الفرحة، والمفاجأة، بل وحتى البكش.. بعض الدموع تحتوي على نسبة عالية من البروتينات لتكون أكثر كثافة، وبالتالي تبقى على الوجه لفترة أطول مما يجلب مشاعر الآخرين بالشفقة، أو الرحمة، أو العطف.. وبعض المشاعر غير المتوقعة تجلب الدموع بطرق غير متوقعة.. أتذكر شخصيا أنني كنت، ولا زلت، أُحب أفكار الرياضيات، ولكنني كنت أتعب في الحسابات الطويلة «المشربكة».. وكنت «أسيراً» لجداول اللوغاريتمات، ثم للمسطرة الحاسبة التي كانت لا تُفارق جيبي أو حقيبتي المدرسية في الصغر.. وكانت من ضروريات الحياة للكثير.. يعني «آي فون» أهل أول.. وبصراحة كانت صعبة الاستعمال نسبة إلى النعم التي أكرمنا الله بها اليوم.. وعندما اشتريت أول حاسبة إلكترونية كانت أشبه بالسحر.. ضرب، وقسمة، وجمع، وطرح أصعب الأرقام في لمح البصر، وبدون أي أخطاء أو دراما.. أتذكر تلك اللحظات وكأنها بالأمس.. اشتريت «الكاسيو» الجبارة من أحد محلات شارع قابل في جدة، وذهبت بسرعة إلى بيتنا، لأنني لم أُصدِّق قدرات تلك الآلة الجبارة.. فتحتها بمفردي بحرص، وكأنها علبة مجوهرات.. وقرأت عليها العديد من الآيات الكريمة، وشغلت وظائفها المختلفة.. ثم بكيت.. ولا أعلم فترة بكائي، ولا كمية الدموع التي انهالت على وجهي أثناء تجربتي لعشرات العمليات بالأرقام الكبيرة.. (434567 قسمة 239987).. وضرب (335577 في 667777) وغيرها.. (جذور، وكسور، عشرات الأرقام.. وحسابات ومعادلات الرقمين «ط» 3.14159 و»هـ» 2.71828، بأقصى درجات السرعة والدقة.. وحسابات الجتا، وجيب التمام، والظل)، وكل هؤلاء، وأكثر، أصبحوا أصدقائي وحلفائي.. بلمسة أزارير، وفي لمح البصر.. شعرتُ بأنني أشهد معجزة في حياتي، وكأنني قد أصبحت منافساً لكبار العلماء، وأن حياتي تغيرت بالكامل بفضل الله.. مرت عليَّ هذه اللحظات منذ أكثر من خمسين سنة، ولكنني لا زلت أتذكرها، وأتذكر دهشتي لكمية وحرارة الدموع على وجهي إلى اليوم، علماً بأنها لم تكن منطقية.. أكرمني الله بقدرات لم أتخيّلها، ولم أتعب عليها.

تذهلنا الدموع بكمياتها الهائلة التي ننتجها يومياً، وتذهلنا أيضاً بأنواعها، سواء كانت الدموع الأساسية التي تحمي عيوننا من أضرار الجفاف، والجراثيم، والغبار.. أو الدموع الانعكاسية التي تحمي العيون من المهيجات مثل الغبار، والدخان، وروائح الحيوانات.. أو الدموع الانفعالية التي تتأثر وتؤثر في مشاعرنا المختلفة.


* أمنيــــــة:

خلال الأشهر الماضية، شهد العالم ما يكفي لفيضانات عملاقة من دموع الألم، والحزن، والغضب بسبب الحرب على أهالي غزة. أتمنى أن تنتهي هذه المأساة فوراً، علماً بأنها ستبقى في ذاكرة التاريخ بمشيئة الله، وهو من وراء القصد.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة